المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مقرر الحديث (مستوى 1شريعة)



العرّاب
08-04-10, 03:56 AM
مقرر الحديث
كلية الشريعة مستوى أول
نظام الانتساب المطور
1429ه - 1430ه
الطبعة الثالثة

العرّاب
08-04-10, 04:03 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


الحلقة الأولى

منهجنا سيكون في أول الأبواب التي تتعلق بفقه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا وهوَ كتاب الطهارة ومايتعلق به من أبواب ومايتعلق به من أحكام، ومنهجنا في هذا الفصل عبارة عن أحاديث مختارة من كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر رحمه الله ويكون هوَ عمدتنا في هذا المقام وهو الذي أُخذت منه مناهج حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المقررة في هذا المستوى الدراسي، وسيكون بإذن الله لنا عدة مراجع في هذا المقام وهي كالتالي:
مراجع المقرر:
1: بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ لابن حجر 2: سبل السلام شرح بلوغ المرام للإمام للصنعاني3: نيل الأوطار لشرح منتقى الأخبارللعلامة للشوكاني 4: فتح ذي الجلال والإكرام لابن عثيمين، رحمة الله على الجميع.
لابد لنا أن نقف عدة وقفات في هذا المقام نبين فيها بعض الأمور التي لابدَ من إيضاحها في هذا الشأن، أولها تعريفات لبعض الأئمة الأعلام الذين نتعرض لكتبهم ومراجعهم بشكل أساسي، فإن كتابنا الأصل التي أُخذت منه المتون هو كتاب بلوغ المرام من أدلة الأحكام للحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى، هذا الكتاب جاء أحد الأئمة وشرحهُ ألا وهوَ العلاّمة المغربي اليماني في كتاب سماه البدر التمام وأطال فيه وأطنب، ثُمَّ جاء من بعده عَلمٌ آخر ألا وهو العلاّمة الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى، واختصر كتاب البدر التمام وحذف منه مارأى أن يُحذف وأضاف إليه إضافات جليلة ومفيدة وسمَّى كتابه هذا سُبل السلام.
لابدَّ أن نتعرف على هؤلاء الأئمة الأعلام الثلاثة الذين بني هذا المنهج على علومهم ومعارفِهم، فإن كتاب بلوغ المرام هو الأساس الذي ننتخب منهُ متون الأحاديث، وكتاب سُبل السلام هوَ أيضاً الأساس في شرحنا لأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقاً للمنهج المقرر وطبقاً لما أُقر به في هذا الشأن من قسم السُنة وعلومِها.

تعريفات موجزة لهؤلاء الأئمة الأعلام الثلاثة:

العلم الأول: الحافظ ابن حجر
(اسمه ونسبه):
اسمه: هو أحمد بن علي بن محمد الكيلاني الشافعي (أبو الفضل) حافظ العصر وعلّامة الدهر المعروف بابن حجر العسقلاني.
نشأته وعلمه: ولد في شعبان سنة 773ه في مصر، وبها نشأ و حفظ القرآن، وبعدما شب عن الطوق، سافر بصحبة أحد أوصيائه إلى مكة المكرمة فسمع بها ثم حبب إليه الحديث، فاشتغل بطلبه من كبار شيوخه في البلاد الحجازية والمصرية، ولاسيما الحافظ العراقي، ودرس الفقه على البلقيني وابن الملقن، وأذنوا له بالتدريس والإفتاء، وأجاد مع ذلك في علوم اللغة العربية والأدب، وباشر القضاء في مصر استقلالا مدة تزيد على21 سنة، ودرس التفسير والحديث بعدة أماكن.. و خطب بالأزهر وجامع عمرو بن العاص، وأملى من حفظه الكثير.
مصنفاته: بلغت مصنفاته رحمه الله تعالى ما يقارب 150 مصنفاً وقلّ أن تجد فناً من فنون الحديث إلاَّ له فيه مؤلفات حافلة، ولقد انتشرت تلك التصانيف في حياته
ومن تلك التصانيف:
1: الإصابة في أسماء الصحابة 2: تهذيب التهذيب
3: تقريب التهذيب 4: تعجيل المنفعة بزوائد رجال المسانيد الأربعة
5: تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير
6: تخريج المصابيح 7: تخريج الكشاف
8: نخبة الفِكر وشرحها 9: القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد
10: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة، وغيره من الكتب القيمة مثل كتابنا هذا الذي نعتني به بلوغ المرام
11: بلوغ المرام من أدلة الأحكام
12: فتح الباري في شرح صحيح البخاري ولو لم يكن له إلا كتاب فتح الباري، لكان كافياً للإشادة به، وقد كتب مقدمته الجليلة التي تقع في جزء كامل سنة 813هـ ثم بدأ في شرح الكتاب (فتح الباري) سنة 817هـ وانتهى من شرحه سنة 842هـ أي أنه جلس في تصنيفه وتأليفه 25 سنة.
وفاته: توفي رحمه الله بعد صلاة العشاء من ليلة السبت في 18 من شهر ذي الحجة سنةَ 852ه، وكان عمره 79سنة.
أشهر شيوخه: البغدادي، أشهر شيوخه في الفقه: البلقيني وابن المُلقن.
(العَلم الثاني المغربي): (صاحب كتاب البدر التمام في شرح بلوغ المرام)
هو الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي اليماني المعروف بشرف الدين المغربي ولد سنة 1048ه ونشأ بصنعاء وأخذ علومها الدينية من علمائها وكان قاضي اليمن ومحدثها في زمانه واستمر على ذلك حتى توفي بالروضة من أعمال صنعاء سنة 1119 هـ
مصنفاته:
1: البدر التمام في شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، وقد طبع في خمسة مجلدات كبار في دار الوفاء المصرية.
2: رسالة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب).

(العلم الثالث هو الإمام الصنعاني)
اسمه: هو محمد بن إسماعيل بن صلاح المعروف بابن الأمير الكحلاني ثم الصنعاني.
ولادته ونشأته: ولد سنة 1059ه في مدينة كحلان في بلاد اليمن، ونشأ بصنعاء، وأخذ من علمائها، ثم رحل إلى مكة والمدينة وقرأ الحديث على أكابر علمائِها وعلماءِ المدينة، وبرع في العلوم المختلفة حتى بزَّ أقرانه وتفرد بالرئاسة العلمية في صنعاء، وأظهر الاجتهاد والوقوف مع الأدلة، ونفر من التقليد وزيّفَ ما لا دليل عليه من الآراء الفقهية، وجرت له مع أهل عصره محن وخطوب شأن كل مصلح يدعو إلى الحق ويجاهر به في عصور الظلمات، وقد ولاه الإمام المنصور من أئمة اليمن الخطابة بجامع صنعاء، واستمر ناشراً للعلم تدريساً وإفتاءً وتصنيفاً، وكان لا يخشى في الحق لومة لائم ولقد التفَّ حوله كثير من طلاب العلم ودرسوا عليه الحديث والتفسير وعملوا باجتهاداته دراسة وعملا.
مصنفاته:
1: سبل السلام من شرح بلوغ المرام 2: منحة الغفار حاشية على ضوء النهار للسيوطي
3: شرح التنقيح في علوم الحديث 4: العدة حاشية على شرح العمدة لابن دقيق العيد
5: شرح الجامع الصغير للسيوطي وقد طبع في أربعة مجلدات، إلى غير ذلك من المصنفات المعروفة له. 6: ديوان شعر مطبوع.
وفاته: توفي في3 من شعبان: 1182هـ وعمره 123 سنة.
تعريف لبعض الاصطلاحات التي يذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله، في بلوغ المرام
يذكر بعد كل حديث من رواه من كتب السُنة:
1: رواه السبعة: يعني أصحاب الكتب الستة (البخاري ومسلم والترمذي وأبو داوود والنسائي وابن ماجة) بالإضافة إلى الإمام أحمد في مسنده.
2: رواه الستة: ويعني بهم أصحاب الكتب الستة المتقدمين (البخاري ومسلم والترمذي وأبو داوود والنسائي وابن ماجة)
3: رواه الخمسة: أصحاب السنن الأربعة (الترمذي وأبو داوود والنسائي وابن ماجة) بالإضافة للإمام أحمد
4: رواه الأربعة: أصحاب السنن الأربعة (أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجة)
5: رواه الثلاثة: أصحاب السنن، عدا ابن ماجة.
6: متفق عليه: ما اتفق على روايته الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما.
* * * * * * * * *
تعريف كتاب الطهارة
الكتاب لغة: مصدر للفعل كتبَ يكتبُ كتاباً وكتابةً
وهو يدل على معنى الجمع والضم، لأنه مأخوذ من مادة كتبَ، التي تعني الجمع والضم، تقول تَكَتّب القوم أي اجتمعوا وانظموا إلى بعضهم البعض، ومن معنى الجمع والضم سميت الكتيبة كتيبةً، وهي الجماعة من الجيش تخرج منه لهدف معين، وجمعه: كُتُب
الكتاب اصطلاحا: ما يجمع شيئاً من الأبواب والفصول في معنى واحد
الطهارة: تصريفها أي أصلها الصرفي (وهذا داخل في المعنى اللغوي)
1. مصدر للفعل طهُرَ، وهو وصف للقائم بالفاعل، كما نقول طهُرَ زيد، فزيد هو الفاعل، والوصف القائم به هو الطهارة.
2. مصدر للفعل طهّرَ المتعدي، وهو وصف للقائم بالمفعول، كما نقول طهّرَ الماءُ زيداً، فزيد هنا هو المفعول به، والوصف القائم به هو الطهارة.
3. اسم مصدر، طهّرَ تطهيرًا وطهارة، بمعنى التطهير.
الطهارة لغة: النظافة والنزاهة من الأقذار الحسية والمعنوية.
الطهارة اصطلاحا: هي استعمال المطُهرين، أي الماء والتراب أو أحدهما على الصفة المشروعة في إزالة الحدث أو النجاسة.

العرّاب
08-04-10, 04:03 AM
الحلقة الثانية

أهم المراجع: (لعلم مصطلح الحديث)
1: كتاب علوم الحديث لابن الصلاح
2: كتاب تدريب الراوي للإمام السيوطي
3: كتاب تيسير مصطلح الحديث للدكتور: محمود الطحان


ألفاظ علم مصطلح الحديث الشريف::
1: السنة 2: الحديث 3: الخبر 4: الأثر
فهذه الكلمات الأربعة، ذات طابع عام مجمل تنتشر دائماً في علم مصطلح الحديث النبوي الشريف.
تعاريف الألفاظ الأربعة:
1: السنة لغة: هي السيرةُ والطريقة فكل طريق وسيرة تسمى سُنة، سواء كانت محمودة أو مذمومة تقول: سننتُ الطريقَ سناًّ واستننته، أي: سيرته، وقد أطلق هذا اللفظ (السنة) المصطفى عليه الصلاة والسلام في قوله: صلى الله عليه وسلم: (من سن في الاسلام سُنة حسنة فله أجرُها وأجر من عمل بها بعده) رواه مسلم، حديث صحيح.
القاعدة من الناحية اللغوية:
إن كل من ابتدأ شيئاً وعمل به آخرون بعده قيل هو الذي سنًّهُ، الرسول صلى الله عليه وسلم قال وعمل أشياء كثيرة، وعمل بها من بعده، ولهذا سميت سنة.
السنه في اصطلاح المحدثين: كل ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أوتقرير أو صفةِ خلقية أو خُلقية أو سيرة، سواءُ كان ذلك العمل قبل البعثة أو بعدها.
شرح التعريف: كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أُثر أي: ما نقل عنه وورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل له بأي كان بحركاته أو سكناته أو خلاوته أوتقرير بأن عُمل عَمل من لدن بعض الصحابة في عهده سواء كان أمامه أو ليس أمامه وسكت عنه صلى الله عليه وسلم فلم ينكره فهذا يسمى إقراراً وهوتابع للسنة وفرع من فروعها.
وكذا أيضاً يلتحق بالسنة الصفة، صفة المصطفى صلى الله عليه وسلم سواء كانت خَلقية كما ورد عنه من صفاته الخلقية، أو خُلقية كما ورد عنه من صفاته الخُلقية، أو ما ورد من سيرته العطرة سواء في هجرته أو في غزواته وكل حركاته وسكناته كل ذلك يسمى عند علماء الحديث سنة، سواء كان ما أثر قبل البعثة مثل تحنثه في غار حراء، أم كان المأثور بعد البعثة بنزول الوحي عليه إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك يسمى عند المحدثين سنة.
2: الحديث لغة: الجديد من الأشياء ضد القديم، وكلُ جديد يسمى حديثا، ومادة الكلمة حدَثَ وهو كون الشيء بعد إن لم يكن موجوداً فيطلق عليه حديثاً، فقولهم العالم حادث لأنه كان بعد أن لم يكن.
واستخدم في اللغة في قليل الخبر وكثيرة، لأن الخبر والكلام يتجدد ويكون حديثا ووقتا بعد وقت، ولهذا أطلق عليه حديث وقد ورد ذلك بالقرآن الكريم في قوله تعالى: (فليأتوا بحديث مثله) يعني القرآن الكريم.
والحديث يجمع على أحاديث مثل: قطيع وأقاطيع وهو جمع شاذٌ على غير قياس، لأن فعيل تجمع على وزن فُعُل وفُعُلاءَ. جديد وقديم على وزن فَعيل
الحديث في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في تعريفهم له.
الحديث عند المحدثين اصطلاحا: هو ما أُضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قول أوفعل أو تقرير أو صفة خلقية أو خُلقية حتى الحركات والسكنات في اليقظة أوالمنام. على هذا التعرف يدخل فيه كلُ أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم تسمى عند المُحدِّثين حديثا.
*الاختلاف بين الحديث والسنة:
الحديث إذا أطلق فينصرف إلى ما يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد البعثة (النبوة)، وأما السنة من هذا الباب أشمل وأعم، لأنها تشمل سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، وسنته عليه الصلاة والسلام وحديثه بعد بعثته.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكتب الحديث هي ما كان بعد النبوة أخص وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة).
تعريف الحديث عند الفقهاء والأصوليون: عرفوا لفظ الحديث شرعاً واصطلاحاً كالتالي الحديث: هو أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعالهُ.
قالوا في التفصيل والبيان والشرح: ويدخل في أفعاله صلى الله عليه وسلم تقريره بأمر رآه، أو بلغه عمن يكون منقادأً لأمر الشارع، قال الأصوليون: أما مايتعلق به عليه الصلاة والسلام من الصفات والأحوال، فإن كانت اختيارية فهي داخلة في الأفعال، والصفات الاختيارية في الغالب هي الصفات الخُلقية كالحلم والأناة والصدق والأمانة، وإن كانت الصفات غير اختيارية كالحلية والوصف الخَلقي لا تدخل في مسمى الحديث عندنا لأنه لايتعلق بها حكم يتعلق بنا.
يقول الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى تعليقاً على هذا الكلام: ومثل هذا -أي خلافهم في التعريف- يُعد من قبيل اختلاف العبارات لاختلاف الاعتبارات، وهو ليس من قبيل الاختلاف في الحقيقة.
وما قاله حق وصحيح لأن المحدثين نظروا إلى كل ما أُثُر عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاعتبروه حديثا، وأما الفقهاء: نظروا من زاوية خاصة وهي مقاصد الأحكام ومصادرها فما وافقها كان حديثاً وما لم يوافقها لايعتبر حديثاً عندهم، وذلك مثل: الصفات الخلقية، والقاعدة تقول: إنَّ هذا اصطلاح ولا مشاحةَ في الاصطلاحات.

العرّاب
08-04-10, 04:04 AM
الحلقة الثالثة

(استكمالا لشرح كتاب الطهارة) قد يقول قائل هنا في هذا المقام:
ما الحكمة من البدء بكتاب الطهارة؟ لماذا بدأ بكتاب الطهارة أول كتب هذا العلم وهذا الفن؟ سواء مايتعلق بعلم الحديث هنا أو مايتعلق بعلم الفقه.
قال العلماء رحمهم الله تعالى: ((وبدأ بالطهارة اتباعا لسنة المصنفين في ذلك وتقديما للأمور الدينية على غيرها واهتماما بأهمها وهي الصلاة، ولما كانت الطهارة شرطا من شروطها -أي من شروط الصلاة- بدأ بها، (أي بدأ بالطهارة)، إذن بدأ بالطهارة، لأنها شرط رئيسي من شروط الصلاة، والصلاة هي عماد الدين وأساسه المتين ولهذا بدأ بكتاب الطهارة))
أول أبواب كتاب الطهارة
1: باب المياه
وكالعادة عادة المصنفين في هذا الشأن وغيرهم فيما يتعلق بالتعريفات، فسنأخذ تعريف الباب والمراد به ومن ثم تعريف المياه والمقصود بها.
أولا الباب: هو ما يُدخل ويُخرج منه أي باب يطلق عليه باب لماذا سمي بهذا الاسم؟ لأنه يُدخل ويُخرج منه.
وقد ورد ذكر الباب في القرآن الكريم في غير ما آية كما في قول الله عز وجل: ((أدخلوا عليهم الباب))، وقوله تعالى: ((وأتوا البيوت من أبوابها))، والباب حقيقة لما كان حسيا يدخل منه إلى غيره فهو يطلق في الحقيقة على الباب المحسوس وغيره من جميع أنواع الأبواب، فهذا يطلق عليه باب حقيقة.
أما في الأمور المعنوية غير المحسوسة، فإنما يطلق عليه باب من قبيل المجاز، فالباب في هذا الشأن، أي: في الأمور غير المحسوسة وفيه منها ما نحن بصدده (باب المياه) هو مجاز لعنوان جملة من المسائل المناسبة، فهو إذن هنا في باب المياه مجاز حيث شبه الدخول إلى الخوض في مسائل مخصوصة بالدخول في الأماكن المحسوسة ثم أثبت لها بابا.
إذن شبه الدخول بالأمور المعنوية بالدخول من الأبواب المحسوسة، وذلك بجامع الدخول والخروج في كل منهما، حذف المشبه به ثم أثبت شيئا من لوازمه وهو الباب.
هذا ما يتعلق بتعريف الباب فماذا عن تعريف المياه ومالمراد بها؟
المياه جمع ماء، وأصل ماء: موه، ولهذا ظهرت الهاء في جمعه، فمياه على وزن فعال، إذن فالهاء هي لام الكلمة، وهي أصل فيها إذن فالهاء أصل في اللفظ (مياه).
والماء: اسم جنس يقع على القليل والكثير سواء قليلا في كأس أو ماء في بحر فإنه يطلق عليه ماء.
قد يقول قائل: لماذا قال المصنفون باب المياه فجمعوه فلماذا لم يفردوه، فيقولوا باب الماء؟ فنقول: جمع لاختلاف أنواعه، وذلك باعتبار حكم الشارع فيها، فإن فيها، أي: في (المياه) ما ينهى عنه، وفيها ما يكره استخدامه، وفيها ما يجوز استخدامه وفيها ما هو محل خلاف، فإذن جمعت المياه، وقال الفقهاء والمحدثون ((باب المياه)) فجمعوه ولم يفردوه بباب الماء، وذلك لاختلاف حكم الشارع فيه.
كما أنه أيضا جمع باختلاف أنواعه فهناك الماء العذب، والماء المالح ماء البحر، وماء النهر، وماء البحيرات، فجمع أيضا بهذا الاعتبار، إذن جمع المياه وأورد أيضا بهذا اللفظ باب المياه، بسبب اعتبار جموعه.

الحديث الأول:
عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم، في البَحْرِ: "هُوَ الطّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُهُ" أخرجهُ الأربعةُ، وابنُ أبي شَيْبَةَ، واللفظُ لَهُ، وصححهُ ابنُ خُزيمةَ، والترمذي
************************************************** *****
قال الحافظ رحمه الله تعالى: أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له وصححه ابن خزيمة والترمذي ورواه مالك والشافعي وأحمد.
سنتناول هذا الحديث من حيث النقاط التالية:
(1) تخريج الحديث:
هذا الحديث رواه الأربعة كما ذكر الحافظ رحمة الله تعالى عليه والمقصود بهم أصحاب السنن الأربعة أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
كما رواه أيضا ابن أبي شيبة في مصنفه واللفظ الذي ساقه الحافظ في البلوغ له ((أي من مصنفه)).
كما رواه أيضا الأئمة، مالك في الموطأ، والدارمي في سننه، والشافعي في مسنده وأحمد في مسنده في عدة مواضع. رحمة الله على الجميع.
(2) حكم هذا الحديث:
هو حديث صحيح بشهادة كثير من أهل العلم كما ذكر الحافظ رحمة الله عليه بأنه صححه ابن خزيمة والترمذي، وهما علمان من علماء هذا الشأن.
ممن صحح هذا الحديث الإمام الترمذي، فقد قال الإمام الترمذي بعد سياقه في سننه قال: حديث حسن صحيح، وسألت محمدا بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: حديث صحيح.
كما صححه من أهل العلم: الحاكم، وابن حبان، وابن المنذر، والطحاوي، والبغوي، والخطابي، وغيرهم كثيرون من أهل العلم.
وقد خرج المصنف الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه هذا الحديث في كتابه الجليل تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، خرج هذا الحديث من تسعة طرق عن تسعة من الصحابة رضوان الله عليهم؛ ولكن لم يخل طريق من هذه الطرق من مقال، فكل طريق منها ذكر بعض أهل العلم فيه إعلالا أو نحوه، إلا إن الحافظ رحمة الله تعالى عليه قد جزم بصحة هذا الحديث وأورد عددا من العلماء كما أورد عددا من الطرق له.
قال الزرقاني في شرح الموطأ قال: ((وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، تلقته الأمة بالقبول وتداوله فقهاء الأمصار في سائر الأعصار في جميع الأقطار ورواه الأئمة الكبار))، ثم عدد من رواه ومن صححه من أهل العلم وفقا لما قدمنا.

(3) ترجمة الراوي:
راوي الحديث وهو الصحابي الجليل أبو هريرة رضوان الله عليه، هو الصحابي الجليل والحافظ المكثر اختلف في اسمه واسم أبيه على نحو من ثلاثين قولا، قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: الذي تسكن النفس إليه من الأقوال (أنه عبد الرحمن بن صخر الدوسي) ، وذلك أمر طبيعي، لأنه رحمه الله ورضي عنه قد اشتهر بهذه الكنية وكان لا يريد إلا هي ولا يذكر له اسما إلا هي فلذلك كان لا يُعرف إلا بهذه الكنية فقط دون غيرها فنسي اسمه واندثر واشتهر بهذه الكنية.
وابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه الاستيعاب في أسماء الأصحاب يقول: (الذي تسكن النفس إليه من الأقوال أنه عبد الرحمن بن صخر) قال: (وبه قال محمد بن إسحاق) صاحب السيرة.
قال الحاكم أبو أحمد في كتابه الكنى قال: (ذُكر لأبي هريرة في مسند بقي بن مخلد أربعةٌ وسبعون وثلاثُ مائة وخمسة آلاف حديث)، يعني أنه روى رضي الله عنه (5374) حديثاً، وهو أكثر الصحابة حديثاً فليس لأحد من الصحابة رضوان الله عليهم هذا المقدار ولا مايقاربه، فأكثر الصحابة رواية صحابينا الجليل أبو هريرة رضوان الله عليه.
وهو كما قدمنا من قبيلة دوس باليمن وفي جنوب الجزيرة العربية وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود، فسماه المصطفى صلى الله عليه وسلم عبد الله أو عبد الرحمن على اختلاف الروايات، وكناه أبا هريرة قيل لأجل هرة كان يحمل أولادها.
أسلم رضي الله عنه عام خيبر في السنة السابعة من الهجرة وكان من أوعية العلم الذين حفظ الله عز وجل بهم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
استعمله عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى على الجميع في خلافته على البحرين وتأمر على المدينة غير مرة في أيام معاوية بن أبي سفيان رضوان الله تعالى على الجميع.
قال عنه ابن عبد البر قال: (مات في المدينة سنة تسع وخمسين من الهجرة وهو ابن ثمان وسبعين سنة ودفن بالبقيع رضوان الله عليه، وصلى عليه الوليد بن عقبة بن أبي سفيان وكان يومئذ أميرا على المدينة).
(4) سبب ورود الحديث:
لماذا قال المصطفى عليه الصلاة والسلام، ما قاله في البحر حين قال: ((هو الطهور ماؤه الحِلُّ ميتته))؟
الحديث كما ذكر أهل العلم وقع جوابا عن سؤال كما ورد في كتاب الموطأ للإمام مالك رحمة الله تعالى عليه أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل وفي مسند الإمام أحمد: من بني مُدلج، و عند الطبراني في معجمه اسمه: عبد الله و قيل عبد أوعبيد المدلجي، و قيل اسمه زمعة البلَوي.
اتفقت الروايات أن هذا الجواب، إنما هو لسؤال سائل، و اختلفت الروايات فيمن هو هذا السائل، جاء هذا الرجل كما وردت الرواية عند الإمام مالك في الموطأ و غيره (جاء إلى النبي صلى الله عيه وسلم فقال يا رسول الله إنّا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطِشنا، قال السائل: أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه و سلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) هذا هو سبب ورود الحديث، ويتبين لنا من خلال السرد السابق: أن سبب ورود الحديث سؤال أحد الصحابة رضوان الله عليهم للمصطفى صلوات الله عليه عن حكم الوضوء بماء البحر.
قد يقول قائل من خلال سياق السبب: يا ترى لماذا سأل هذا الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من ماء البحر رغم وضوح الحكم هنا، إذ أن الماء البحري من أنواع الماء التي يتبادر إلى الذهن دائما و أبدا جواز الوضوء بها.
فقد أجاب العلماء عن هذا التساؤل بما يلي:
الجواب الأول: لأنه لما رأى هذا الصحابي ماء البحر مخالفا المياه الأخرى بملوحة طعمه و نتن ريحه توهم بأنه غير مراد من الحق سبحانه و تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فأغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجُلكم إلى الكعبين) أي: أن هذا الرجل لما رأى ملوحة ماء البحر ظنّ أنه غير داخل في مسمى الماء الذي أمر الحق تعالى بالغسل به، هذا سبب.
الجواب الثاني: لما عرف قول الله عز وجل (وأنزلنا من السماء ماءً طهورا) ظن اختصاص ماء السماء بالطهارة دون غيره، لأنه سبحانه وصف هذا الماء بأنه طهور، أي ماء المطر، فلأجل هذا الالتباس والاشتباه سأل رسول الله صلى الله عليه و سلم عن حكم ماء البحر، حيث ظن أن اختصاص ماء السماء بالطهارة دون غيره فسأل عن ماء البحر، فأفاده المصطفى صلى الله عيه و سلم بالحكم.
(5) بحث المفردات وبيان أهم المفردات:
أول مفردة في هذا النص النبوي الشريف تحتاج إلى بيان في قوله: عن أبي هريرة هنا: جار ومجرور كما هو معلوم وواضح، وهو متعلق بمحذوف لأن الجار والمجرور شبه جملة لا يقوم بنفسه بل هو متعلق بغيره فهو متعلق بمحذوف يقدر بما يناسب المقام، فيكون تقديره هنا مثل أروي أو أذكر أو نحو ذلك.
مفردة أخرى تتكرر وهي في قوله رضي الله عنه أو قوله صلى الله عليه وسلم.هذه جملة دعائية معترِضة لا محل لها من الإعراب.
في البحر: نأخذ المراد بالبحر، والمقصود به من الناحية اللغوية.
فنقول البحر هو الماء الكثير، ملحا كان أو عذبا فكل ماء كثير سواء كان ملحا أو عذبا، فإنه يطلق عليه بحر، فهو إذن خلاف البر، فالبر يكون في اليابسة والبحر يكون بالماء، وسُمى البحر بهذا الاسم لعمقه واتساعه، وقد غلب هذا على الماء المالح حتى قلّ في العذب أن يسمى بحرا، فهو الماء في الغالب لا يسمى بحراً، وإنما يطلق عليه بحيرة أو نحو ذلك.

العرّاب
08-04-10, 04:04 AM
الحلقة الرابعة

تتمة حديث أبي هريرة رضي الله عنه في البحر: (هو الطَهُورُ ماؤهُ الحِلُّ ميتته)
البحر يُطلق على الماء الكثير سواء كان مِلحاً أو عذبا فإنه يسمى بحرا، هذا قول كثير من أهل العلم.
قال بعضهم: ان البحر لا يطلق عليه ذلك إلا إذا كان مالحا.
قال الأموي كما في لسان العرب قال: (وسمي بحرا لملوحته يقال ماءٌ بحرٌ أي ملح).
تبقى لنا فيما يتعلق بجملة في البحر التنبيه على أنّ هذه اللفظة " في البحر" ليست من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما هو واضح في نص الحديث، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في البحر، فشبه الجملة ليست من مقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما هي مدرجة من كلام الراوي أبو هريرة رضي الله عنه، فجملة في البحر هي مدرجة من كلام أبي هريرة رضي الله عنه.
هو الطَهُور:
اختلف العلماء في ضبط كلمة الطَهُور على أقوال:
القول الأول: قول جمهور علماء اللغة على أنه بالضم للفعل الذي هو المصدر، وبالفتح للماء الذي يُتطهرُ به، فما دام هذا هو رأيهم إذن يقال هو الطَهور بفتح الطاء، لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ((هو الطَهُور ماؤه))، الماء الذي يُتَطهر به، وهذا القول عن جمهور علماء اللغة نقله ابن الأنباري وجماعات من علماء اللغة في مصنفاتهم، على أن لفظ الطَهُور إذا أردت به الذات وهي الماء الذي يُتطهر به فتقول الطَهُور، أما إذا أردت الفعل أي عملية التطهر سواء كان وضوءا أو اغتسالا أو نحو ذلك فإنك تقول الطُهور بضم الطاء.
القول الثاني: وإليه ذهب بعض علماء اللغة ومنهم الخليل بن أحمد والأصمعي وجماعة منهم إلى: أنه لفظ الطَهور بالفتح فيهما سواء أردتَ الفعل أم أردتَ الماء، وعلى هذا لا تقول عندهم الطُهور، وإنما تقول الطَهور بالفتح وصاحب القاموس لم يذكر، إلا الفتح: الطَهور، فلم يذكر الضم مطلقا.
هذا ما يتعلق بتصريف الكلمة ونطق لفظها
أما معناها: فالطَهور: في اللغة بمعنى الطهارة اللغوية، التي هي النظافة والنزاهة.
وأما في الاصطلاح: الطَهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره في اصطلاح علماء الشرع.
هو الطَهُور ماؤه: مرفوع على أنه فاعل للمصدر الطَهُور.
الضمير في (ماؤه) يعود على البحر، أي: (ماء البحر)، وذلك باعتبار المكان لأننا إذا أطلقنا لفظ البحر ففي العادة نريد به المكان والذات التي هي فيه أي الماء، هنا (الطَهور ماؤه) الضمير يعود إلى البحر باعتبار المكان وليس باعتبار ما هو موجود فيه من الماء.
إذ لو أراد به الماء هنا لما احتاج إلى قول: ماؤه، ولقال صلى الله عليه وسلم حينما سُئل: (أفنتوضاءُ بماء البحر؟ لقال: صلى الله عليه وسلم: ((هو الطهور))، ولما احتاج إلى لفظ (ماؤه) ولكن لما كان يريد الحديث عن المحل وعن المكان لهذا قال: (هو الطهور ماؤه-أي ماء البحر- الحل ميتته)
الحل ميتته:
الحِل: (بكسر الحاء) مصدر حلَّ الشيء، أي: صار حلال ضد حَرُمَ.
ولفظ الدار قطني يوضح هذا المعنى ويجليه حيث ورد فيه: ((هو الطهور ماؤه الحلال ميتته))
ميتتهُ: يلاحظ أنها مرفوعة فهي فاعل للمصدر(الحِل).
6 - بحث الأحكام وهو الهدف الرئيس:
1) من أحكام هذا النبوي الشريف:
في هذا الحديث دلالة على طُهورية ماء البحر، وأنه طاهر في نفسه ومطهر لغيره ولا تؤثر ملوحتُه في طهوريته مطلقاً، لأن هذه الملوحة ليست طاهرة فيه، وإنما هي وصف قائم به منذ خِلْقَتِه... فالملوحة إنما هي وصف في البحار موجود فيها منذُ خِلقتها لحكم يعلمها الحق سبحانه وتعالى، وهذا هو قول جمهور العلماء من سلف الأمة وخلفِها، وهو الأساس في هذا المقام وهو المعمول به ويكاد يكون عليه الاتفاق.
لكن قد خالف في هذه المسألة عدد من أهل العلم فقالوا: لا يجوز الوضوء بماء البحر ولا يُطهر في الوضوء أو الاغتسال ونحوهما مطلقاً، وقد روي هذا القول عن بعض الصحابة مثل: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة رضوان الله عليهم، كما روي هذا عن جماعة من التابعيين مثل: سعيد بن المُسيب، ونُسب إلى ابن عبد البر وجماعة من أهل العلم، رُوي عنهم أنهم يقولون لا يجوز الوضوء بماء البحر.
وأذكر بعض الروايات التي وردت في هذا المقام من ذلك:
ما روي عن ابن عمر رضوان الله عليهما أنه قال: (ماء البحر لا يجزيُ من وضوء ولا جنابة) أي: أنه لا يرفع الحدث الحاصل في الوضوء أو الاغتسال أو نحو ذلك.
كما روي أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (أنه لا يجزئ التطهُر به)، فهذين الصحابيين الجليلين، وغيرهما يرون بأن ماء البحر لا يجزئ في الوضوء ولا في الاغتسال ولا يرفع الحدث..
لعلَ شبهتهم في ذلك، ما روي عن رسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا تركب البحر إلا حاجاً أو معتمراً أو غازياً في سبيل الله فإن تحت البحر ناراً وتحت النار بحراً))، هذا الحديث أخرجه أبو داوود عن ابن عمر مرفوعاً، فظنوا أنه لا يجوز التطهُر بماء البحر لهذا الحديث ونحوه من الأحاديث، لكن لو نظرنا إلى الحديث من حيث إسناده لوجدنا أنه حديث غير صحيح، فقد قال أبو داوود رحمه الله تعالى بعد سياقه له قال: (رواته مجهولون)، فما دام رواةُ هذا الحديث مجهولون، فإنه حديث ضعيف ولا تقوم به حجة ولا يصح مطلقاً.
وقال الإمام الخطابي رحمه الله تعالى: "ضعَّفوا إسناده"، أي: أن العلماء رحمهم الله تعالى ضعَّفوا إسناد هذا الحديث.
وقال الإمام البخاري: " ليس هذا الحديث بصحيح"، فما دام هذا الحديث ليس صحيحاً، وهي شبهة من قال بعدم جواز الوضوء و الاغتسال من ماء البحر، فحينئذٍ مادام سقط الأصل فيسقط الفرع وهو هذا القول، ويتبقى لنا قول جماهير العلماء بطهورية مياه البحار والمحيطات.
2) من فوائد هذا الحديث: في هذا الحديث دلالة على حِل ميتة البحر والمراد بميتته البحر "ما مات في البحر من دوابه مما لا يعيش إلا فيه كالحوت والسمك ونحوهما"، وليس المراد ما مات فيه مطلقاً، فهو وإن صدقَ عليه لغة أنه ميتة بحر إلاّ أنه غير داخل في هذا الحكم، وفي المسألة تفصيل لا نستطرد بذكره هنا، الحديث عام في كل ما مات من حيوان البحر، ويؤكده ما رواه الإمامان أحمد، وابن ماجة وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أُحلت لنا ميتتان و دمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطُحال).
وقد خالف بعض أهل العلم في هذه المسألة فقالوا: "لا يحل منه إلا ما كان موته بسبب آدمي"، أي: صيد الآدمي أو جزر الماء عنه أو قذفه إلى الشاطئ ونحوه، فأما ما طفى على سطحه ميتاً فلا يحل لنا أكله، لما رواه أحمد وأبو داوود: عن جابر مرفوعاً بلفظ "ما ألقاهُ البحرُ أو جزرَ عنه فكلوا وما مات فيه فطفى فلا تأكلوا".
والصحيح هو القول الأول وهو العموم: بأن يؤكلَ كل ما وجد في ماء البحر سواء كان بفعل آدمي كالصيد أو نحوه أو بغير ذلك، وأما حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فهو حديث ضعيف باتفاق أهل العلم.
ويدلنا دلالة واضحة -على صحة ما ذهب إليه الجماهير من جواز أكل كل ما مات في البحر من دوابه التي لا تعيش إلا فيه، سواء كان بصيد فعل آدمي أو غيره- قصة العنبرة التي قذفها البحر إلى أصحاب السرية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أكلوا منها، وأقرهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، على ذلك ولم يسأل بأي سبب كان موتها، وهل كانت طافية أم لا؟
3) في هذا الحديث دلالة على مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل لقصد الفائدة إذا كان في حاجة إلى ذلك، فرسولُ الله صلى الله عليه وسلم، هنا سئل عن الوضوء بماء البحر؛ حيث أن الرجل المُدلجي قال للمصطفى صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من ماء البحر؟ فرسول الله صلى الله عليه وسلم أجابه على سؤاله وأضاف إليه حكما جديدا، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (هو الطًهُور ماؤهُ، الحل ميتته)، فقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الوضوء بماء البحر، فأخبرهم عن حكمه ثم عقب بحكم آخر، وذلك لأنه يعلم حاجتهم إليه وهو الأكل من حيوانات البحر، فالمصطفى صلى الله علي وسلم يعلم ويعرف أن راكب البحر حينما يركب فيه ويخوض في غماره، فإنه سيحتاج إلى السمك والحوت الموجود فيه فله الحق ويجوز له اصطياد ذلك وأكله و لاشيء في ذلك مطلقاً.
وقد عقد البخاري رحمه الله تعالى لذلك بابا في صحيحه فقال: (بابٌ من أحال السائل بأكثر مما سأله) وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم ما يلبس المُحرِم فقال عليه الصلاة والسلام: ((لايلبس القميصَ ولا العمامة ولا السراويل ولا البُرنس....)) الحديث، فالملاحظ هنا؛ أن السائل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ما يلبسه المحرم؟ فالرسول صلى الله عليه وسلم أدرك أن السؤال كان ينبغي أن يكون ما الذي لا يلبسه المحرِم؟ لماذا؟ لأن ما يلبسه المحرم واسع وكثير جدا، وأما الذي لا يلبسه المحرم فهو الذي يمكن تحديده، فعند ذلك أجابه المصطفى عليه الصلاة والسلام بما يمكن تحديده، وهو الذي لا يصح ولا يجوز للمحرم لبسه، وهو القميص والعُمامة والسراويل والبرانس ونحو ذلك، من الملبوسات.
وفي هذا الحديث فوائد وأحكام كثيرة، غير ما تقدم من الفوائد والأحكام ولهذا فإن العلماء رحمهم الله تعالى، قد أثنوا على هذا الحديث وعظموه وبينوا مقداره؛ نظراً لكثرة ما فيه من الفوائد والأحكام، من تلك الأقوال التي وردت في هذا الشأن قال الإمام ابن الملقن: ((هذا حديث عظيم وهو أصل من أصول الطهارة)).
وقال الإمام الحميدي: قال الشافعي رحمة الله تعالى على الجميع: ((هذا الحديث نصف علم الطهارة))، فهذا الحديث مليء بالفوائد والأحكام والدروس والعِبر، ولكننا نكتفي بما ذكرناه في هذا المقام.
الحديث الثاني
وعَنْ أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه قال: قالَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّم: "إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ" قال الحافظ رحمه الله تعالى أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد في أحكامه.
1 - تخريج هذا الحديث النبوي الشريف:
كما ذكر الحافظ رحمه الله تعالى: رواه أصحاب السُنن الثلاثة، والمراد بهم أبوداود والترمذي والنسائي، كما رواه الإمام أحمد في مسنده والشافعي في كتابه الأم وابن الجارود في المنتقى والدارقُطني والبيهقي في سننهما وكذا أيضا الحاكم في مستدركِه، لكن العلماء رحمهم الله تعالى قد اختلفوا في الحكم على هذا الحديث، من قائل بثبوته، ومن قائل بعدم ثبوته، خلاصة ما ذكره أهل العلم في هذا المقام.
القول الأول: فمنهم من قال بثبوت هذا الحديث وذلك مثل: الإمام أحمد والترمذي وغيرهما.
فقد روي عن الإمام أحمد أنه قال: (حديث بئر بُضاعة صحيح)، وقال: الترمذي عنه حديث حسن، وقد جوّد أبو أسامة هذا الحديث من غير وجه عن أبي سعيد، ويعني بأبي أسامة حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولى بني هاشم وهو ثقة ثبت وهو أحد رواة هذا الحديث، إذن بعض أهل العلم كالإمام أحمد والترمذي وغيرهم، قالوا: بثبوت هذا الحديث وصحته.
القول الثاني: وبه قال بعض أهل العلم، بعدم ثبوت هذا الحديث وعدم صحته وذلك مثل: الإمام الدارقُطني فقد قال: إنه ليس بثابت، وكذا ابن القطان فقال: إنه معلول، إمامان جليلان من أئمة الجرح والتعديل هما الدارقُطني وابن القطان، قالا: بعدم ثبوت هذا الحديث.
خلاصة الحق في هذا الحديث: لسنا بصدد الخوض فيه والدخول في مجالات علله، فهذا ليس مقامنا، وإنما مقامنا في هذا الاختصار فحسب، وترك الإطالة في هذا الشأن إلى الكتب المطولة في تخريجه، مثل كتاب تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافع الكبير للحافظ ابن حجر، وكذلك نصب الراية في تخريج أحاديث أهل الهداية للزيلعي.

العرّاب
08-04-10, 04:05 AM
الحلقة الخامسة

(هذه الحلقة خاصة بمصطلح الحديث)
3: تعريف الخبر: يطلق أحياناً ويراد به الحديث نفسه، وهذا بعض في الأحيان، لكنه يطلق في الغالب ويراد به أعم من هذا.
لأنه أي الخبر: يطلق على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما روي عن غيره أيضاً، الحديث ما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أوتقرير أوصفة، أمّا الخبر: يطلق على ما أُثر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم و غيره من الصحابة والتابعين، فهو بهذا المعنى أعم من الحديث، وهذا هو الاستعمال الشائع للخبر في هذا العصر وما قبله، فكل حديث يسمى خبراً، وليس كل خبر يسمى حديثاً، لأن الخبر أعم من الحديث.
4: تعريف الاثر:
ويختلف فيه وجهات النظر، فقد يستعمل مطابقاًً للخبر، أي: أنه يطلق على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما روي عن غيره مطلقاً، أيًا كان ذلك الغير، من الصحابة أوالتابعين أو من كان بعدهم أو حتى في الأخبار المروية عن ماقبل بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم من الرسل والأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، وفي الغالب يستعمل فيما ورد عن الصحابة موقوفاً عليهم ولهذا جاء اصطلاح السنن والآثار.
فما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم فهو من السنة، وما ورد عن غيره من الصحابة والتابعين فهو من الأثر.
الحديث: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو وصف خلقي أو خُلُقي، الأثر: ما ورد عن الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم، موقوفاً عليهم غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
الخبر: ما ورد عن أتباع التابعين ومن بعدهم من أقوالهم.
أقسام الخبر باعتبار وصوله إلينا:
ينقسم الخبر باعتبار وصوله إلينا إلى قسمين رئيسين:
القسم الأول: إن كان له طرقاً من غير حصر بعدد معين، فهذا يسمى المتواتر
القسم الثاني: إن كان له طرقاً محصوراً بعدد معين، 1 أو 2 أو 3 فهذا هو الآحاد

نبدأ بالقسم الأول (المتواتر) من حيث النقاط التالية:
1: تعريفه باللغة والاصطلاح
2: شروط الخبر المتواتر
3: حكمه
4: أقسامه
5: وجوده
6: أشهر المصنفات فيه
تعريف المتواتر:
لغة: هو اسم فاعل مشتق من التواتر، والتواتر في اللغة، هو التتابع، تواتر الخبر أي تتابع العلم به مرات متعددة، وتواتر المطر أي تتابع نزوله
تعريفه اصطلا حاً في اصطلاح علماء الحديث:
مارواه عدد كثير، يستحيل في العادة تواطؤهم على الكذب، وأسندوه إلى شيء محسوس.
شرح التعريف: المتواتر هو الحديث أو الخبر الذي يرويه في كل طبقة من طبقات سنده رواة كثيرون، يحكم العقل عادة بإستحالةِ أن يكون أولئك الرواة، قد اتفقوا على اختلاق هذا الخبر، ويكون مستندهم لهذا الخبر الحس، أي شيء محسوس كأن يقولوا: أتينا، أو سمعنا، أو حُدثِّنا، أو أخُبرنا، أو شاهدنا و نحو ذلك، مما يعتبر نقلا و رواية حسية.

شروط المتواتر:
1: أن يرويه عدد كثير من الرواة، وقد اختلف علماء أصول الحديث في أقل الكثرة، أقل مايقال به كثير وما يصلح أن يكون متواتر على أقوال متعدده، لكن المختار منها: أن يكون من رواه عشرة فأكثر، حينئذ يكون متواترًا ويحكم العقل على إستحالة كذبهم.
2: أن توجد هذه الكثرة في جميع طبقات السند، فيكون إسناد هذا الحديث الذي رواه هؤلاء الرواة عشره فأكثر، لكي يكون العلم بهذا الخبر أمراً يقينياً.
3: أن تُحيل العادة تواطؤهم على الكذب، حيث يوحي العقل المجرد بأنهم يستحيل تواطؤهم على الكذب، لأنهم مثلاً في مناطق شتى أو طوائف شتى، فلا يكون رواة الخبر أوالحديث جماعة متجانسة مثلا، تهدف لأمر معين فتشيع خبراً يدعو إلى هذا الأمر، فإنه إذا وجد في الخبر أن رواته يمثلون جماعة متجانسة وتهدف إلى غاية معينة فإن هذا الخبر الذي رووه، لايعد متواتراً، ولو كان رواته مائة فأكثر، لأن هناك احتمال تواطؤهم على الكذب بهذا الخبر.
4: أن يكون مستندهم الحس، أي يكونون مستندين إلى أمر محسوس مثل: قولهم سمعنا كذا، أو رأينا كذا، أو لمسنا أو نحو ذلك مما يفيد الحس، أما إذا كان مستند خبرهم العقل أي: أموراً معقولة مجرد أفكار ورؤى ونحوها، فإنه لاتكون ولا يعد الخبر من قبل المتواتر، وذلك مثل القول بحدوث العالم مثلاً، فلو روى عدد كبير عمن يؤخذ بقوله إن العالم حادث أو نحو ذلك، فإن هذا ولو كان رواته كثيرون لايسمى حديثاً أو خبراً متواتراً.

حكم المتواتر، وما الذي يفيده؟
1: المتواتر يفيد العلم الضروري أي: العلم اليقني هو الذي يضطر الإنسان إلى التصديق به تصديقاً جازماً، فحينما يُروى الخبر بشكل يحكم فيه أنه متواتر، حينئذ يكون يقينياً، لاشك فيه وقطعياً لا إشكال فيه، فهو في حكم التصديق به، وحكم العلم به، كمن شاهد الأمر بنفسه، فحينما يكون الخبر متواتراً بقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا يكون هذا الخبر يقينياً وقطعياً، كأن المنقول له تلك والرواية يسمع الخبر والقول من فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، و الخبر المتواتر لا يتردد في تصديقه مطلقاً، لذلك كان الخبر المتواتر كله مقبولاً ولا حاجة للبحث عن حال رواته ولا النظر في إسناده مطلقاً.

أقسام الخبر المتواتر ينقسم الى قسمين:
القسم الاول:
المتواتر اللفظي: هو ماتواتر لفظه ومعناه، أي: نقل لفظه متواتراً، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك مثال حديث: ((من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))، فهذا حديث متواتر، لأنه رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بضعة وسبعون صحابياً منهم العشرة المبشرون بالجنة، وهؤلاء الصحابة البضع والسبعون روى عن كل واحد منهم عدد كثير من أهل العلم، فحينئذ اكتسب الحديث صفة المتواتر اللفظي.
القسم الثاني
المتواتر المعنوي: وهو ماتواتر معناه دون لفظه، مثل: أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة نحو مائة حديث، كل حديث منها يفيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الدعاء، ولكن هذه الأحاديث في قضايا مختلفة، فهذه الأحاديث ألفاظها ليست متواترة، لكن القدر المشترك منها وهو الإفادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الدعاء، فهذا قد تواتر باعتبار مجموع هذه الطرق.

وجود المتواتر:
يوجد من المتواتر عدد لا بأس به من الأحاديث النبوية الشريفة، سواء مايتعلق منه بالمتواتر اللفظي، أو ما يتعلق بالمتواتر المعنوي، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدد من الأحاديث اكتسبت صفة التواتر، ذكرها العلماء في الأحاديث المتواترة وذلك، مثل: حديث الحوض، وحديث المسح على الخفين، وحديث رفع اليدين في الصلاة، وحديث نَضَّرَ الله امرئ سمع مقالتي فوعاها، وغير هذا كثير.
بالمقارنه بين الأحاديث المتواترة وأحايث الآحاد، لوجدنا فرقاً واسعاً في العدد، فالأحاديث المتواترة تعتبر قليلة جداً، بالنسبة لأحاديث الآحاد.

أشهر المصنفات في الحديث المتواتر:
1: كتاب "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" للإمام السيوطي، وهو مرتب على الأبواب.
2: "قطف الأزهار" للإمام السيوطي، وهو تلخيص للكتاب السابق.
3: "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" للعلامه محمد بن جعفر الكتاني.
القسم الثاني (خبر الآحاد)
1: تعريف خبر الآحاد:
في اللغة: هو جمع أحد، وهو بمعنى الواحد.
اصطلاحاً: عرفه العلماء بأنه ما لم يجمع شروط المتواتر، فشروط المتواتر المتقدمة إذا اختل أي شرط من شروطها، فإنه لا يطلق عليه متواتر، لأنه لايتصف بصفاته، ولا يلتزم بشروطه، و إنما يطلق عليه آحاد.
2: حكم الآحاد:
يفيد العلم النظري، يفيد العلم النظري أي الظني الذي ليس مقطوعاً به أي: أن العلم الذي يؤخذ منه، يعرض على النظر والاستدلال، أما العمل به فهو يعمل به ويطبق، وينفذ تماماً مثل خبر المتواتر، فلا فرق بينهما في الحجية ولا في العمل والتطبيق في أي حال من الأحوال، إلا إذا ثبت بأن خبر الآحاد هذا حديث ضعيف في إسناده، فحينئذ له حكم آخر وله قضيهة أخرى، أما إذا كان خبر الآحاد ثابتا وصحيحاً، فإن العمل به تماماً مثل العمل بالمتواتر.
3: أقسام خبر الآحاد: ينقسم باعتبارين مختلفين:
الاعتبار الأول: بالنسبة إلى عدد طرقه.
الاعتبار الثاني: بالنسبة إلى حال طرقه، أي حال هذه الطريق من حيث قوة الرواة أو ضعفهم، ومن حيث الاتصال والا نقطاع.

العرّاب
08-04-10, 04:05 AM
الحلقة السادسة

تتمة الحديث الثاني
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الماء طهور لا ينجسه شيء))، الحديث أخرجه الثلاثة وصححه الإمام أحمد

1 - تخريج هذا الحديث:
أنه رواه عدد كثير من أهل العلم، أن العلماء رحمهم الله اختلفوا في الحكم على هذا الحديث على قولين:
1: فمنهم من قال بثبوته وتصحيحه، وذلك كالإمام أحمد والترمذي وغيرهما.
2: ومنهم من قال بعدم ثبوته وضعفه، وذلك مثل الإمامين الدارقُطني وابن القطان رحمهم الله.
خلاصة الأمر: حديث أبي سعيد الخدري رجاله ثقات رجال الصحيحين، غير راوٍ واحدٍ وهو عبيد الله بن عبدالله بن رافع بن خديج، فهذا الراوي مجهول الحال، حيث إنه لم يوثقه أحد من العلماء المعروفين في مقام الجرح والتعديل غير الحافظ ابن حبان رحمه الله، وقد قال عنه العلامة المحقق الحافظ ابن حجر رحمه الله: "مستور" وهذه عادته فيمن يكون مجهول الحال، أن يقول فيه مستور، ومادام الإسناد في هذه الصفة، أي: أن فيه راوٍ في هذه الحال أي مجهول ومستور فالحديث بهذا الإسناد ضعيف، أي: أن هذا الحديث الذي بين أيدينا من هذا الطريق طريق أبي سعيد الخدري وبهذا اللفظ: ضعيف عند أهل العلم.
لكنا لو نظرنا إلى الطرق الأخرى، من غير رواية عبيد الله بن عبدالله لوجدنا عدداً كثيراً من الطرق، وإن كانت لا تخلو من ضعف إلا أنه يعضد بعضها بعض ويقوي بعضها بعضاً، مما يصل بها إلى درجة الحديث الحسن، وتعرفون أن الحديث إذا تعددت طرقه على وجه يقوي بعضها بعضاً فيه فإن هذا الحديث بطرقه يرتفع إلى الحديث الحسن لغيره، ويطلق عليه بأنه حديث حسن، لهذا لو رجعنا إلى اختلاف العلماء في هذا لوجدنا الإمام الترمذي رحمه الله قال: حديث حسن، أي بمجموع طرقه وبمجموع مخارجه، ولزيادة في معرفة طرق الحديث الرجوع إلى كتاب نيل الاوطار للشوكاني ج 1 ص 35.
2 - ترجمة راويه أبو سعيد الخُدري:
اسمه: سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخُدري، نسبة إلى جده خُدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري.
قال الذهبي رحمه الله في مناقب هذا الصحابي وفضائله:
"كان من علماء الصحابة، وقد استصغره الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد فلم يشترك فيها، وحضر ما بعدها من الغزوات"، فحينما جاءت غزوة أُحد خرج الشباب الصغار يريدون الغزو والخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصلاة والسلام، يعرضهم واحد تلو الآخر، فمن رآه صغير في السن صرفه عن مشاركة الغزاة، ومن رآه كبيراً ألحقه، فصحابينا الجليل بن سعيد حينما جاءت غزوة أُحد عرض على الرسول فلما رآه صغير صرفه عن مشاركة الكبار في الغزو، لكن حضر ما بعد أحد من الغزوات، كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد بيعة الشجرة، وكان ممن بايع الرسول صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان فحضي برضا الحق سبحانه وتعالى، وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحاديث كثيرة وأفتى مدة من الزمن.
قال حنظلة إن أبي سفيان أحد الرواة وعلماء الحديث عن أشياخه: "لم يكن أحد من أحداث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفقه من أبي سعيد الخدري"، وهذا فيه دلالة واضحة على فقه صحابينا أبي سعيد وأنه يعد من فقهاء الصحابة، توفي رضي الله عنه سنة74ه عن عمر يناهز 86 سنة، وقد حدّث عنه جماعة من صغار الصحابة رضوان الله عليهم، وله في الصحيحين 84 حديثاً.
3 - سبب ورود الحديث: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إن الماء طَهُور لاينجسه شيء))
ذكر بشكل تفصيلي في رواية أخرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيها ما يلي:
فقد أورد الإمامان الترمذي وأبو داود في سننهما هذا الحديث كاملاً، وفيه بيان سبب ورود الحديث، ونص الحديث عندهما مايلي: ((عن أبي سعيد الخدري قال: قيل يارسول الله، أتتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الماء طَهُور لا ينجسه شيء)).
وفي رواية لأحمد وأبي داود قال: الصحابة رضوان الله عليهم للمصطفى صلى الله عليه وسلم "أنه يستقى لك من بئر بضاعة، وهي بئر تطرح فيها محايض النساء، ولحم الكلاب وعذر الناس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماء طَهُور لا ينجسه شيء)"، قال الإمام أبو داود بعد أن ذكر هذه الرواية قال: سمعت قتيبة بن سعيد (أحد رواة هذا الحديث) قال: سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها، قلت: ما أكثر ما يكون فيها الماء، فقال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص آخر ما يمكن تصل اليه، قال: دون العورة، يعني إلى الركبة.
قد يستشكل أحدُنا ويسأل لماذا ترمى هذه القاذورات في هذه البئر وخاصة أن هذه البئر كان يستقى لرسول الله صلى الله عليه وسلم منها ويستخدمه في وضوئه واغتساله ووسائل شتى، وأجيب عن هذا الاستشكال بجوابين اثنين كلاهما قوي ومقنع جداً:
الجواب الاول:
قالوا: إن المُلقي لهذه القاذورات في هذه البئر كان يقصد الإساءة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك الفعل الشنيع، وهذا يتصور من المنافقين، كما أنه يتصور من اليهود.
الجواب الثاني:
قالوا: إن المُلقي لهذه الأشياء وهذه القاذورات ليس إنساناً، وإنما نظراً لأن هذه البئر كانت في منخفض من الأرض، وحينما يأتي السيل فإنه يحمل معه ما على وجه الأرض من الأوساخ والقاذورات ويقذف بها في المنخفضات، ومنها هذه البئر.
4 - بيان أهم المفردات الوارده في هذا الحديث:
الماء: ال: لبيان العهد، أي: الشيء المعهود، والصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وبئر بضاعة ماء معروف لدى الجميع، السائل والمسؤول، فحين ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الماء
ال: هي لبيان العهد، أي الشيء المعهود والمعروف بين المتخاطِبَيْن، وليس المراد بها بيان الجنس، أي جنس الماء.
والمقصود بالماء هنا: هو ماء بئر بُضاعة بالمدينة المنورة، وقد كانت معروفة إلى وقت قريب، ولكن مع اتساع العمران اندثرت وزالت، وقد ذكر الإمام أبو داود في سننه بعد سياقه لهذا الحديث بعضا من المعلومات عن هذه البئر، منها ماذكرته سابقاً عن أبي داود رحمه الله قال: سمعت قتيبة بن سعيد، قال: سألت قيّم بئر بضاعة عن عمقها، قلت: أكثر مايكون فيه الماء فقال إلى العانة، فإذا نقصت آخر ما يمكن تصل إليه قال دون العورة، يعني إلى الركبة، قال: أبو داود قدّرت بئر بضاعة، بردائي فمددته عليها أي على البئر ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، أي: فتحة البئر تساوي ثلاثة أمتار، قال رحمه الله: وسألتُ الذي فتح لي باب البستان، -أي قيّم البئر- فأدخلني إليه قلت: هل غُيّر بناؤها عما كان عليه على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، أي: بناؤها من العهد النبوي إلى عهد أبي داود صاحب السنن لم يتغير مطلقاً، قال: أبو داوود ورأيت فيها ماءاً متغير اللون.
طَهُور: سبق شرحها.
لا يُنَجسِهُ شيء: أي لا يتنجس بوقوع شيء فيه سواء كان هذا الشيء قليلاً أو كثيراً.
ومعنى لا ينجسه: أي لا يجعله نجساً، والنجس والنجاسة هي القذارة، فكلاهما معناه مطابق للآخر.
والنجاسه نوعان من الناحية الغوية:
1: الحسي: هو مايدرك بالحس من لونه أو طعمه أو رائحته، فيعرف بالإحساس به.
2: المعنوي: وهو ما يدرك بالعقل والبصيرة، وذلك مثل الكافر والمشرك فإنه يعد ويعتبر نجساً، كما قال تعالى بوصف المشركين: "إنما المشركون نجس"، فالكفار والمشركون في حقيقة الأمر وواقعه هم نجسون، وذلك لما تلبّسوا به من الاعتقادات الباطلة والأراء الفاسدة، فهم نجِسون حقيقة ولو كانوا في أبهى الحلل، وأنظف الملابس.
أما النجس شرعاً: هو ما لا يكون طاهراً في نفسه ولا يطهر غيره؛ بخلاف الطَهُور: فإنه يكون طاهراً في نفسه مطهراً ويكون مطهراً لغيره، وأما النجس يكون ضده.
النجس شرعاً بتعريف أشمل من الأول كما عرفه بعض أهل العلم: بأنه ما تغير أحد أركانه الثلاثة، من لون أوطعم أو رائحة، بنجاسة تحدث فيه، أوتقع عليه، وهذا التغير حادث فيه.

العرّاب
08-04-10, 04:06 AM
الحلقة السابعة

بحث الأحكام: (الحديث الثاني)
1 - دلنا هذا الحديث دلالة واضحة على أن الماء ، لا يتنجس بوقوع شيء نجس فيه سواء كان هذا الماء قليلا أو كثيرا، وسواء تغيرت أوصافه: لونه أو طعمه أو رائحته أم لم تتغير، وذلك لعموم قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طَهور لاينجسه شيء)، فالسامع منا لهذا الحديث النبوي بهذا اللفظ: (الماء طهور لاينجسه شيء)، يفهم للوهلة الأولى، أن (كل ماء) يبقى على طهوريته بشكل دائم ولا ينجسه أي شيء وقع فيه، كما هو ظاهر الرواية هنا، لكن هذا الحكم بهذا الإطلاق ليس على إطلاقه ألبتة، بل يحتاج إلى تفصيل ويحتاج إلى بيان، وهذا هو ما يعبر عنه الفقهاء بتحرير محل النزاع، أي: أن هذه المسألة فيها ما هو محل اتفاق، وفيها ما هو محل نِزاع وخلاف بين أهل العلم:
المسألة الأولى: وهي محل اتفاق بين أهل العلم: إذا وقعت النجاسة في الماء قليلا كان أو كثيرا، القليل كالكأس أو السطل، أو البركة والمستنقع، ونحوه، إذا وقعت النجاسة في هذا الماء، وغيرت أحد أوصافه الثلاثة: لونه أوطعمه أو رائحته، فلون الماء بلون النجاسة الواقعة فيه أو اكتسبت طعم هذا النجس أو اكتسبت رائحته، فإن هذا الماء يعتبر نجسا سواءٌ كان قليلاً أو كثيرا.
أهم الأدلة:
الدليل الأول: حديث مرفوع إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ما أخرجه ابن ماجة في سننه، وأحمد في مسنده بسند إلى أبي أُمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الماء لايُنًجِّسهُ شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه)، لكن هذا الحديث ضعيف لايعتمد عليه ولا يحتج به في مواطن النزاع وغيرها، قال عنه الإمام الدارقطني: (لايثبت هذا الحديث)، وقال عنه الإمام الشافعي: (لا يُثبتُ أهل الحديث مثله)، أي أن هذا الحديث -حديث أبي أمامة الباهلي- لايثبت عند علماء الحديث، وقال النووي رحمه الله: (اتفق المحدثون على تضعيفه)، إذن فليس عمدتنا في هذا الرأي هذا الحديث نظرا لضعفه، إنما عمدتنا وحجتنا في هذا المقام هو:
الدليل الثاني: الإجماع ، أي: إجماع العلماء رحمهم الله على ذلك، فلم يعرف لهم مخالف، ولم يقل أحد بخلاف ما قاله أهل العلم من أن الماء إذا وقعت فيه النجاسة، وغيرت لونه أو طعمه أو ريحه بتلك النجاسة فإن هذا الماء يكون نجس سواءٌ كان قليلا أو كثيرا لم يقل أهل العلم بخلاف ذلك، وقد نقل الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني عن الحافظ ابن المنذر قوله: (أجمع أهل العلم على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت للماء طعما أو لونا أو رائحة، فإنه نجس مادام كذلك)، ابن المنذر رحمه الله الفقيه المحدث هو عمدة في دعوى الإجماع.
المسألة الثانية: هي إذا وقعت النجاسة في الماء قليلا كان أو كثيرا ولم تتغير أحد أوصافه الثلاثة، هل هذا الماء يكون نجساً أم لا؟ هنا وقع الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: وإليه ذهب أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم: إن هذا الماء الذي وقعت فيه النجاسة، لم تؤثر في لونه ولا طعمه ولا رائحته فهذا الماء لاينجس ولا يُعد نجساً سواء كان كثيرا أو قليلاً، إذا وقعت نجاسة مثلا في سطل ماء، فنظرنا فيه فوجدنا أن هذه النجاسة لم تتغير لونه ولا طعمه ولا رائحته، يقولون: فإننا نزيل هذه النجاسة عن الماء إذا أمكن إزالتها، ويستخدم هذا الماء؛ فإنه لايعد نجسا، وقد قال بهذا القول من الصحابة حذيفة بن اليمان، وأبو هريرة، وعبد الله ابن عباس رضوان الله عليهم، وقال به من التابعين الأئمة سعيد بن المسيب، وعكرمة، والحسن البصري وغيرهم، وقال به ممن بعدهم من الأئمة مالك والأوزاعي وهو قول الظاهرية، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد، وهو قول للإمام الشافعي رحمهم الله، جميعهم قالوا: إن الماء الذي وقعت فيه النجاسة، ولم تغير أحد أركانه الثلاثة: لا لونه ولا طعمه ولا رائحته، فإنه لايعد نجسا.
وأدلتهم على ذلك:
الدليل الاول: حديث الباب، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الماء طهور لا يُنَجِّسهُ شيء)، وجه الدلالة واضح، فقد أعطانا المصطفى صلى الله عليه وسلم حكما، بأن الماء يبقى على طهوريته ولا ينجسه إذا لاقته النجاسة ولم تغيره، أما إذا غيرت طعمه أو لونه أو رائحته، فإنه يكون نجسا، أما إذا لم تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإن النص النبوي يبقى على عمومه: ((إن الماء طهور لاينجسه شيء)).
الدليل الثاني: مارواه البخاري ومسلم وغيرهما، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قضى بوله، أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بِذَنوب من ماء، فأهريق عليه)، بذنوب من ماء أي بدلو ماء، وهي مقدار السطل الكبير، فحديث أنس بن مالك رضي الله عنه، بقصة هذا الإعرابي، تدل دلالة واضحة على أن الماء إذا وقعت عليه النجاسة و لم تغيره، فإنه يبقى على طهوريته.
وجه الدلالة في هذا الحديث: قالوا: فهذا يقتضي أن قليل النجاسة لا ينجس قليل الماء، ومن المعلوم أنه قد طُهَّر ذلك الموضع الذي وقع عليه بول الأعرابي بذلك الذَّنوب، وذلك لاكتفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بإراقة هذا الذنوب من الماء على بوله، فهذا دليل على أن هذا الماء الذي أريق على بول الأعرابي هذا باقي على طهوريته، لأنه طَهَّرَ هذه البقعة فحينئذٍ أصبح هذا الماء بملاقاتِه للبول باقياً على طهوريته، فهذا يدل على أن النجاسة أيضا إذا وقعت على الماء، فإنها لا تُنَجِّسه، إذا لم تغير لونه ولا طعمه ولا رائحته.
الدليل الثالث: مارواه ابن ماجة في سننه بالسند إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحُمر، وعن الطهارة منها، فقال صلى الله عليه وسلم: (لها ما حملت في بِطُونِهَا، ولنا ما غبر طهور)، أي مابقي، وجه الدلالة من هذا الحديث، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن الحياض وهذه البرك ومايقع بها من النجاسات، من حيث أن السباع والهوام، منها ماهو نجس بذاته كالكلب، ومنها ماهو نجس فمه بسبب ما يأكله من القاذورات والنجاسات كالحمير، فهذه الحيوانات تضع فاها في هذه الحِياض، فحينئذٍ تلقي هذه النجاسة في هذه الحياض، ومع ذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يحكم بنجاسة هذه الحياض، ومع ذلك فإن المصطفى صلى الله عليه وسلم، قد حكم بطهورية هذه المياه.
القول الثاني: وإليه ذهب البعض الآخر من أهل العلم من الصحابة والتابعيين ومن بعدهم قالوا: بالتفريق بين قليل الماء وكثيره، فالماء الكثير لا يَنجُس بمجرد وقوع النجاسة ولا بمجرد الملاقاة، إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته، فذلك أمر آخر، أما الماء القليل فإنه ينجس بمجرد ملاقته للنجاسة ووقوعها فيه، إذن أصحاب القول الثاني فصلوا في هذه المسألة، وفرقوا بين الماء القليل والماء الكثير فقالوا: الماء الكثير: لا ينجس لملاقاته للنجاسة أو وقوعها فيه مطلقا إلا إذا غيرت أركانه الثلاثة، الماء القليل: عكس ذلك، فإنه ينجس بمجرد ملاقاته للنجاسه أو وقوعها فيه، ولو لم تغير طعمه أو لونه أو رائحته، لو افترضنا وقوع نجاسة في سطل ماء أو في بركة صغيرة، فإن هذا الماء يُعد قليلاً ونجساً بمجرد وقوع هذه النجاسة فيه ولو لم يتغير لونه أو طعمه أو رائحته.
وهو مشهور ومروي عن الصحابي عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وبه قال من التابعين: مُجاهِد، وسعيد بن جبير، وقال به ممن بعدهم من الأئمة كل من: الإمام أبو حنيفة، وإسحاق بن راهويه، وهو قول للإمام الشافعي، ورواية عند الإمام أحمد، فهؤلاء قالوا: بالتفريق بين قليل الماء وكثيره، فالماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة، فإنها تنجسه بمجرد وقوعها فيه أو ملاقاتها له، وإما الماء الكثير، فإنها لا تُنجِّسه إلا إذا تغير أحد أركانه الثلاثة.
أدلة أصحاب هذا القول:
الدليل الاول: مارواه أصحاب السُنن وغيرهم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان الماء قُلتين لم يَحمل الخبث)، أي أن الماء إذا وقع قُلتين، فإنه لايحمل الخبث، أي لايؤثر الخبث فيه، ولايعد نجساً، قالوا في وجه الدلالة: وتحديده بالقلتين يدل أن مادونهما ينجُس بملاقاته للنجاسة، فهذا الحديث دليل واضح وصريح على التفريق بين الماء القليل والكثير، فالماء الكثير ما فوق القلتين لا يحمل الخبث ولا يؤثر الخبث فيه ولا تؤثر فيه النجاسة ولا يحمل حكم النجاسة، وأما ما دون قلتين فإنه بالمفهوم المخالف يحمل الخبث وتؤثر النجاسة فيه، ويكون نجساً.
الدليل الثاني: مارواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لايدري أين باتت يده)، وجه الدلالة قالوا: فقد نهى عليه الصلاة والسلام عن غمس يده في الإناء قبل غسلها خارجه ثلاثاً، وذلك بسبب نجاستها، لأنه لا يدري أين باتت يده في تحريكه لها، فاحتمال قوي، أن تكون نجسة، وهذا بلا شك يفيد نجاسة الماء فيما لو غمسها فيه، وإلا لما قال صلى الله عليه وسلم ما قاله، ولا نهى المستيقظ من نومه عن أن يغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها خارجه ثلاثاً، فإن مفهوم النص هنا، لو غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها خارجه ثلاثاً، فإن هذا الماء يكون نجساً، ولو لم تغير النجاسة أحد أوصافه الثلاثة من اللون أو الطعم أو الرائحة.
الدليل الثالث: مارواه الإمام مسلم في صحيحه، والترمذي في سننه وغيرهما، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (طُهُورإناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب، أن يغسله سبع مرات أولاهُن بالتراب)، وفي رواية أخرى (إحداهُن بالتراب).
طهور إناء أحدكم: أي أن ما يُطهر هذا الإناء، وهذا دلالة واضحة على أن هذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب، الماء الذي فيه يُعد نجساً، ولو لم يتغير أحد أوصافه من لون أو طعم أو رائحة؛ بل إن بالعادة لايتغير بمجرد ملاقاته لفم الكلب، ومع ذلك حكم صلى الله عليه وسلم على هذا الماء الذي ولغ فيه الكلب بأنه نجس، بدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أمر بتطهير هذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب سبع مرات، فهذا يدل على نجاسة هذا الماء نجاسة مغلظة، إذن أصحاب هذا القول الثاني، استدلوا بثلاثة أدلة كلها أحاديث صحيحة وثابتة ومرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث القلتين، وحديث الاستيقاظ من النوم، وحديث ولوغ الكلب.

العرّاب
08-04-10, 04:06 AM
الحلقه الثامنة

الترجيح بين هذين القولين وبيان الأرجح منهما:
الراجح والله أعلم قول أصحاب القول الثاني، وهم القائلون بالتفريق بين قليل الماء وكثيره في الحكم.
مرجحات هذا القول الثاني هي مايلي:
1: قوة أدلتهم في هذا الموضوع وصراحتُهَا فيه، وخاصة حديث القُلتين، وهو حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحتج به ويؤخذ به، رغم ماقيل فيه من أقوال ورغم ماذكر من خلاف أهل العلم، والصحيح إن شاء الله أنه حديث صحيح وثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث القلتين حديث واضح وصريح في الدلالة على هذا الشأن، فهو فصلَ بشكل واضح وبيّن بين الماء القليل و الماء الكثير.
2: لإمكان الإجابة والرد على أدلة أصحاب القول الأول، فهم استدلوا بثلاثة أدلة:
أولا: حديث الباب: (إن الماء طَهُور لاينجسه شيء)
فالجواب: ليس هذا الحديث على إطلاقه، بل هو عام مخصوص، فلو افترضنا أن ماء في سطل أو وعاء ووقعت فيه نجاسة مغلظة نراها ونشاهد وقوعها، وأمكن إزالة هذه النجاسة، وبالنظر إلى الماء من حيث اللون والطعم والرائحة، ووجدناه لم يتغير، فلا يقول أحد مطلقا بأن الماء يبقى على طهوريته، لأن النفس البشرية قد جُبلت على خلاف ذلك، والرأي بنجاسته وعدم صحة استخدامه، إذن الحديث على إطلاقه لايمكن حمله عليه مطلقاً.
و المراد بقول الرسول صلى الله وسلم الماء، هنا ليس (ال) فيه للجنس وإنما (ال) فيه للعهد، أي: الماء المعهود، الماء المسئول عنه (ماء بئر بضاعة)، ولم يقصد عليه الصلاة والسلام، الماء المطلق، أي ماء مطلقاً.
ثانيا: حديث بول الأعرابي:
هم قالوا في وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم (أمر بذنوب من ماء فأهريق عليه)، يقولون: أن الذَّنوب قد صُب الماء على بول الأعرابي هذا يدل على أن الماء الذي باشر هذه النجاسة ووقع عليها هو باقٍ على طُهُوريته، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّهم على الاكتفاء بهذا وهذا دليل واضح على أن هذه البقعة أصبحت طاهرة، وهذا دليل أيضا على أن الماء الذي أُهُرق عليها باق على طهوريته.
فالجواب: هناك فرق بين ورود الماء على النجاسة، و ورود النجاسة على الماء، ينبغي التفريق بينهما، فهناك فرق بالعقل والفعل، فلا بد أن يكون بينهما فرق في الحكم ، أي: هناك فرق بين ما إذا صب سطل الماء على النجاسة (أي: البول)، كما في الحديث، وفرق بين ما إذا صب البول على الماء (أي: القدر)، فهناك فرق في الفعل وفرق في الحكم، فالنجاسة يعطى حكمها، بصب البول على الماء، بخلاف صب الماء على النجاسة، فإنه يكون مطهرا لها ويكون مزيلا للنجاسة.
فإن الماء حين يرد على النجاسة، كما في حديث بول الأعرابي، فإنه يرد عليها شيئا فشيئا، حتى يفني عينها، وتذهب النجاسة قبل فنائِه، فلا يأتي آخر جزء من الماء الوارد على النجاسة، إلا وقد طهر المحل الذي اتصلت به.
أما ورود النجاسة على الماء، فإنها تقع عليه دفعة واحدة، فبالتالى تؤثر فيه و تنجسه، وهذا أمر واضح، هناك فرق بالعقل وفي الحس والمشاهدة بين وقوع الماء على النجاسة، ووقوع النجاسة على الماء
إذن وقوع النجاسة على الماء تنجسه إذا كان قليلا، حتى ولو لم تغير لونه أو طعمه أو ريحه، وإذا وقع الماء على النجاسة، فإنه يطهرها وينظفها.
ثالثا: وهو حديث ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في السباع والكلاب والحُمر، التي ترد الأحواض بين مكة والمدينة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: (لها ما حملت في بطونها، ولنا ماغبر طهور)، أي ما بقي في الأحواض طهور.
فالجواب: هذا حديث ضعيف جدا، لأن في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال عنه الحاكم رحمه الله: (روى عن أبيه أحاديث موضوعة) وقال عنه ابن الجوزي: (أجمعوا على ضعفه) أي: العلماء والنقاد وأصحاب الجرح والتعديل على ضعف هذا الراوي عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، فما دام هذا الراوي بهذه المثابة وبهذه الصورة، فإن حديثه ضعيف جدا، فلا يعتمد عليه ولا يُحتجّ به مطلقا.

الحكم الثاني من أحكام الحديث الشريف:
في هذا الحديث دلالة على عدم التفريق بين قليل الماء وكثيره في الحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء طَهُور لايُنجِّسهُ شيء)، أي: أن ماء هذه البئر، طهور لاينجسه شيء، فلم يتطرق عليه الصلاة والسلام إلى الماء القليل أو الماء الكثير، ولكن أكثر أهل العلم، وهو الراجح قالوا: بالتفريق بين قليل الماء وكثيره، فالقليل ينجس بمجرد الملاقاة، وأما الكثير لاينجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة لونه أو طعمه أو رائحته.
ولكن أصحاب هذا القول الثاني، اختلفوا فيما بينهم في الحد الفاصل ما بين القليل والكثير على أقوال متعددة:
القول الاول: وإليه ذهب الحنابلة والشافعية، يعد الماء كثيرا إذا بلغ القُلتين، وما دون القلتين يعد قليلا، ودليلهم: حديث القلتين، عن عبدالله بن عمر مرفوعا، (إذا كان الماء قُلتين لم يحمل الخبث)، ووجه الدلالة منه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، جعل حداً فاصلاً وهو القلتين، فالقلتان ومافوقها لايحمل الخبث، بمعنى انّهُ لايؤثر الخبث فيه مطلقا، والماء القليل هو مادون القُلتين.
القول الثاني: وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فقال في تحديد الماء الكثير: (الكثير هو ما إذا حرك أحد طرفيه آدمي لم تسر الحركةُ إلى الطرف الآخر، وماعداه فهو قليل)، فيما لوتصورنا بركة ماء، فإننا إذا حركنا جانب الماء في جانب البركة فلا شك أنه يخرج منه موجات ودوائر، فإذا استمرت هذه الموجات والدوائر ثم تلاشت ولم تصطدم بالجانب الآخر يعد هذا الماء كثيراً، وأما إذا حركنا هذا الماء واستمرت الدوائر والموجات ثم اصطدمت بالجانب الآخر، لهذا الماء (البركة أو المستنقع) فإن هذا الماء يعد عند الإمام أبو حنيفة قليلاً.
القول الثالث: وإليه ذهب صاحبا الإمام أبي حنيفة وهما: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن الشيباني قالوا: الماء الكثير ماكان اتساعه عشرة أذرُع في عشرة أذرُع، يعني خمسة أمتار في خمسة أمتار، فإن هذا الماء يكون كثيرا ومازاد من باب أولى يعد كثيرا، وأما ما قل عن العشرة أذرُع في عشرة أذرُع، فإن هذا الماء يعد قليلا.
القول الرابع: وإليه ذهب بعض أهل العلم: وهم الهادوية، كما نقل الإمام الصنعاني رحمه الله عنهم في كتابه سبل السلام، فقالوا: القليل ما ظنّ المستعمل للماء الذي وقعت فيه النجاسة استعمالها باستعماله، وما عدا ذلك فهو الكثير، فإذا ظن المستعمل للماء الذي وقعت فيه النجاسة أنه مستعمل ومستخدم لهذه النجاسة، فإن هذا الماء يكون قليلاً، وأما ماعداه أي إذا لم يظن المستعمل للماء الذي وقعت فيه النجاسة حينما يستعمله أنه يستعمل هذه النجاسة، فحينئذٍ يكون الماء كثيراً، فأصحاب هذا القول أرجعوا المسألة في تحديد القليل والكثير، إلى ظنّ واعتبار المستخدم للماء، إذا كان يظن حين استخدامه للماء أنه يستخدم النجاسة فحيئذٍ يكون الماء قليلاً ويكون نجساً، وإذا كان العكس حينما يستخدم هذا الماء في الوضوء ونحوه ولا يظن أنه مستخدماً للنجاسة، نظراً لما يراه من كثرة هذا الماء ووفرته، فإنه يعد طاهراً ولا يعتبر نجسا.
ما الراجح من تلك الأقوال وما الدليل على ذلك؟
عند النظر في هذه الأقوال الأربعة نجد أن أصحاب القول الأول استدلوا بحديث ثابت وصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث القلتين، ودائماً إذا استدل المستدل بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أولى من الاجتهاد والتعليلات والآراء.
فالقول الأول هو الراجح إن شاء الله عزوجل
1: لاستدلاله بحديث ثابت وصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2: لأنه يمكن الإجابة عن الأقوال الأخرى كالتالي:
القول الثاني: فما ذهب إليه الإمام أبي حنيفة قوله: إذا حرك أحد طرفيه آدمي
فالجواب: هذا لاينضبط، لأن هذا يختلف باختلاف قوة الحركة، فأحياناً تكون قوية فتكون الموجات قوية فتذهب مسافة بعيدة، وأحياناً تكون ضعيفة فتكون المسافة ضعيفة جداً، إذن لا يُعتمد على هذا القول.
القول الثالث: تحديد صاحبي الإمام أبي حنيفة: عشرة أذرع في عشرة أذرع
الجواب: إن كانو حددوا السعة، إلا أنهم لم يحددوا العمق، فأحيانا قد يكون مثلا سنتي مترات معدودات، مع أنه تكون السعة كما ذكر أو أكثر وأحيانا يكون العمق كثيرا جدا وتكون السعة أقل، فحينئذٍ حجم الماء لايمكن التحكم به بمقدار سعة هذا الحوض أو البركة.
القول الرابع: ماذهب إليه الهادوية من الظن
الجواب: أن هذا راجع إلى الظن ، والظن مبني على الورع والتقوى والناس مختلفون في هذه المسألة، فقد يظن شخص الماءَ طَهُوراً وبعضهم يظنه نجسا نظرا لورعه الشديد، وقد يكون العكس، فإذن الاعتماد على الظنون شيء من التوهم ولا ينبني عليه.
* فالقلة، في حديث القلتين: هي الجرة، وسميت بذلك لأنها تقل بالأيدي، أي: ترفع وتحمل بها، والمراد هنا بالقلال هي: قلال هَجر، والقلتين مقدارهما بالقِرَب: خمس قرب، كل قربة تعادل: مائة رطلٍ عراقي، فتكون القلتان: 500 رطل عراقي، وبالمعايير والأوزان الحديثة:
القلتان في الحجم تساوي: خمس قرب، وتساوي 500 رطل عراقي وتساوي 15 تنكة، وتساوي باللترات 270 لترا، فإذا كان الماء يبلغ 270 لترا فأكثر، فحيئذٍ يعد هذا الماء كثيراً، وإذا كان أقل من 270 لترا، فإنه يعد قليلا.
القلتان: أيضا حددها العلماء بالوزن: فهما بالرطل العراقي 500 رطل عراقي وتعادل القلتان: ربع طن، وتساوي بالكيلوجرام 250 كيلوجرام، فهذا يعني أنه إذا بلغ الماء 250 كيلوجرام ، فإنه يعد ويعتبر كثيراً، وإما إذا كان الماء أقل من 250 كيلوجرام فإن هذا الماء يعد ويعتبر قليلاً، وبهذا؛ يتبين رجحان* القول الثاني في التفريق بين قليل الماء وكثيرة.

العرّاب
08-04-10, 04:06 AM
الحلقة التاسعة

(هذه الحلقة خاصة بمصطلح الحديث)
أقسام خبر الآحاد:
علماء مصطلح الحديث يقسمون خبر الآحاد إلى تقسمين مُختلفَين:
القسم الأول: أقسام الآحاد بالنسبة إلى عدد طرقه، طرق الروايات والأساليب التي وردت عن رسول صلى الله عليه وسلم.
القسم الثاني: يقسمونه إلى حال طرقه أي صفة هذه الطرق من حيث القوة والضعف ومن حيث ميثاقية الرجال أو عدم ذلك.
القسم الاول: تقسيم خبر الآحاد إلى عدد طرقه فنجد العلماء يقسمونه أيضا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: المشهور.
القسم الثاني: العزيز.
القسم الثالث: الغريب.
تعريف المشهور: عرف علماء مصطلح الحديث بأنه مارواه ثلاثه فأكثر في كل طبقة من طبقات إسناده، ولم يبلغ حد التواتر.
فإذا وجد في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند صحابي مثلاً أن كل طبقة من طبقات الإسناد -طبقة التابعين طبقة أتباع التابعين طبقة من بعدهم- إذا وجد في كل طبقه ثلاث رواة لهذا الحديث، ومتسلسلة -ثلاثة أو أربعة أن تكون- ثلاثة فأكثر في كل طبقة من طبقات الإسناد، فإن هذا الحديث يطلق عليه مشهور، ويسمى بالمشهور.
لكن بطبيعة الحال يشترط في الحديث المشهور لكي يطلق عليه الاسم الاصطلاحي، أن لايبلغ حد التواتر، فقد اختلف العلماء في عدد المتواتر أو في عدد الطبقات أو عدد الرجال في كل طبقة من المتواتر، وأن الحد الذي ذكره كثير منهم عشرة، لكن إذا لم يبلغ الحديث المشهور حد المتواتر الذي هو عشرة، ووصل بالعدد إلى ثلاثة فأكثر فحينئذٍ يطلق علماء الأصول على هذا الحديث (بالحديث المشهور).
مثال الحديث المشهور:
مارواه الشيخان البخاري، ومسلم، والترمذي، وأحمد وغيرهم، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالِماً، اتخذا الناس رؤساء جُهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
هذا الحديث بالنظر إلى طرقه عند من قدمنا للشيخين وأحمد والترمذي وغيرهم، ينطبق عليه مسمى الحديث المشهور الاصطلاحي، ففي كل طبقه بعد عبدالله بن عمرو بن العاص، روى هذا الحديث ثلاثه فأكثر، حتى وصل إلينا في المصنفات والمدونات الحديثية التي أسلفت ذكرها، هذا مايتعلق بالحديث المشهور.
لكن هناك مسألتان فيما يتعلق بالحديث المشهور يذكرهما العلماء، ويبينونهما لعلاقتِهما بالحديث المشهور من حيث معناه، ومن حيث مسماه:
المسألة الأولى: يطلق بعض علماء الحديث المشهور بمسماه الاصطلاحي مسمى المستفيض، المشهور والمستفيض من الناحيه اللغوية متشابهان جداً، لهذا أطلق بعض أهل العلم على الحديث المشهور، بالحديث المستفيض.
المستفيض: في اللغة مأخوذ من الفعل استفاضَ، يستفيضُ، بمعنى ظهر وبان وانتشر واشتهر، فأي حديث ينتشر بين الناس، ويشتهر بينهم، فإنه يطلق عليه من الناحية اللغوية حديث مستفيض.
المستفيض: اصطلاحا، قد اختلف في تعريف المستفيض من الناحية الاصطلاحية على أقوال عدة، وأهمها أربعة أقوال:
القول الأول: قال بعضهم: إن الحديث المستفيض مثل الحديث المشهور، فهما متطابقان من الناحية الاصطلاحية، كما أنهما متشابهان من الناحية اللغوية، إذن: يكون على هذا: المشهور مارواه في كل طبقة من طبقات إسناده ثلاثه فأكثر.
القول الثاني: وقال به بعض أهل العلم: بأن الحديث المستفيض أخص من الحديث المشهور، لأن الحديث المشهور: كل ما رواه ثلاثة فأكثر في أي طبقه من طبقات الإسناد.
أما الحديث المستفيض: ما كان أوله وأوسطه وآخره سواء، أي: جميع طبقاته ذات عدد واحد، بأن يكون ثلاثة ثلاثة ثلاثة، وهكذا إلى نهاية الإسناد من عند الصحابي إلى المصنف، أو يكون عدد الرواة في كل طبقة ثلاثة ثلاثة ثلاثة، أيضاً أو أربعة أربعة وهكذا، حينئذٍ، يطلق عليه الحديث المستفيض.
أما إذا كان في طبقة ثلاثة، وفي طبقة أخرى أربعة، وفي الطبقة الثالثة ثلاثة وهكذا، فهذا لايطلق عليه المستفض، إنما يطلق عليه الحديث المشهور، فبهذا المستفيض أخص من المشهور. إذ هو محصور في هذه الصورة فإذا تساوى العدد في كل طبقات الإسناد وكان أكثر من اثنين فهو المستفيض.
القول الثالث: قال بعض أهل العلم: المستفيض يطلق على المتواتر، فهو مطابق للمتواتر؛ نظرا لأنه من الناحية اللغوية مستفيض ومنتشر ومعروف، إذن فهو يطابق من الناحية الاصطلاحية المتواتر.
القول الرابع: وبعض أهل العلم قال: المستفيض مانقلته الأمة بالقبول، واتفق العلماء على قبوله وتصحيح وإثبات روايته، فإنه يطلق عليه مستفيض، فيكون حينئذٍ بهذا التعريف قريباً من المتواتر، ولكنه أعم من المتواتِر.
المستفيض هو: ماتلقته الأمة بالقبول، ويكون حينئذٍ قريبا من المتواتر وأعم من المتواتر، لأن هناك أحاديث كثيرة تلقتها الأمة بالقبول، و ليست متواترة، مثل حديث (إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئ مانوى)، هذا حديث من الناحية اللغوية مستفيض، ومشهور، وتلقته الأمة بالقبول، في بعض الأحيان أكثر من الأحاديث المتواترة من ناحية الاستعداد النفسي لقبول هذا الحديث، وأنه خرج فعلاً من فيّ رسول عليه الصلاة والسلام، وعليه يقولون: هذا ومثله من الأحاديث يطلقون عليه مستفيض.
*وبالجملة فاستعمال المحدثين للفظ المستفيض قليل، فالحديث المشهور أكثر وروداً عندهم، ولكن هذا اللفظ وهذا المسمى يرد في مصنفات المتقدمين، فبالتالي أصبح لابد من بيانه.

المسألة الثانية:
أن مسمى المشهور وإطلاق المشهور: لفظ عام يطلق على المشهور بمعناه الاصطلاحي، ويطلق أيضا على أحاديث التي توصف بالمشهور بمعناه اللغوي، إذن فنستطيع أن نقول إن مسمى المشهور ينطبق عليه أمرين:
1: الحديث المشهور بمعناه الاصطلاحي الذي سبق بيانه.
2: أمر آخر يسمى المشهور، وهو غير المشهور الاصطلاحي، وقد لا يكون لهذا الحديث إسناد في الأصل، ولكن يطلق عليه المشهور، وقد يكون له إسناد واحد، أي: من أحاديث الأفراد ونحوها، وقد يكون المشهور بهذا المعنى له إسنادان فأكثر، أي: قد يطلق المشهور على بعض الأحاديث، وإن لم تكن تنطبق عليها السمة الاصطلاحية لتعريف المشهور.
العلماء ذكروا أمثلة للأحاديث المشهورة والمعروفة، فكل أصحاب فن وعلم عندهم أحاديث مشهورة لديهم، ليست مشهورة عند علماء العلم الآخر، على سبيل المثال:
مثال: المشهور، عند المحدثين: حديث أنس رضي الله عنه عند الشيخين: أن النبي صلى الله عليه وسلم: (قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رعن وذكوان) الحديث، فهذا الحديث الشريف، هو حديث مشهور عند المحدثين، ولكنه من ناحية إسناده لاينطبق عليه مسمى الحديث المشهور.
مثال: المشهور، عند الفقهاء: حديث (أبغض الحلال عند الله الطلاق)، فهذا الحديث مشهور عند الفقهاء، فقلَّ أن تقرأ في مصنف، من مصنفات الفقه، في جميع المذاهب، إلا وتجد الحديث موجود في أول كتاب الطلاق، فهو مشهور من الناحية اللغوية، وإن لم يكن كذلك من الناحية الاصطلاحية.
مثال: المشهور عند الاصوليين: حديث ((رفُعَ عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، فهذا الحديث مشهور عند الأصولين، فيما يتعلق برفع الإثم عن المخطئ والناسي ونحوهما، ولكنه من الناحية الاصطلاحية، لايعد حديثاً مشهوراً، وإن كان في مرتبة الصحيح، حيث أخرجه الحاكم وابن حبان وصححه بعض أهل العلم.
مثال: الحديث المشهور عند علماء اللغة: حديث (نعم العبد صُهيب لو لم يخف الله لم يعصِه)، فهذا حديث مشهور عند علماء اللغة، وإن كان من الناحية الحديثية، لاأصل له، ولا إسناد له ؛ كما ذكر المحققون من أهل العلم.
مثال: المشهور عند النحاة وعلماء اللغة: حديث (يتعاقبون فيكم ملائكةُ بالليل وملائكة بالنهار)، هذا حديث مشهورعند النحاة وعند علماء اللغة، وهو حديث صحيح وثابت، ولكنه لاينطبق عليه مسمى المشهور من الناحية الاصطلاحية.

المؤلفات في المشهور
إنما تنطبق حين النظر فيها والتمعن في ألفاظ الروايات، نجدها تنطبق على المشهور من الناحية اللغوية وهو المشتهر بين الناس والمعروف بينهم.
أما الحديث المشهور من الناحية الاصطلاحية، فأحاديثه قليلة، و لم يؤلف فيها أحد من أهل العلم، نظراً لقلتها.
إذن من أهم المؤلفات في الحديث المشهور بمسماه اللغوي:
1: "كتاب التذكرة في الأحاديث المشتهرة" للإمام محمد بن بهادر الزركشي.
2: "كتاب المقاصد الحسنة فيما اشتهر على الألسنة" للإمام السخاوي.
3: "كتاب الدُرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة" للإمام السيوطي.
4: : كتاب تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث" وهو لابن الديبع الشيباني.
5: "كتاب كشف الخفاء ومزيل الإ لباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس" ومؤلفه الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني، وهذا الكتاب الأخير من أفضل ما أُلف في هذا المقام، وذلك لأن مؤلفه متأخر وقد توفي سنة 1162ه ألف ومائة وثنتين وستين للهجرة ولهذا كانت أمامه جميع هذه المصنفات وغيرها مما اشتهر على ألسنة الناس، فدونها تدويناً منظماً، ونقل كلام أهل العلم في هذه المسألة، ونقل أكثر ما ذكر في الكتب المتقدمة.

القسم الثاني: الحديث العزيز:
اصطلاحاً: عرفه العلماء بأنه أن لايقل عدد رواته عن اثنين في جميع طبقات السند، المشهور لايقل رواته عن ثلاثة، أما الحديث العزيز فلا يقل رواته عن اثنين.
إذا نظرنا إلى طبقات إسناد(حديث "ما")، فوجدنا في إحدى الطبقات راويين فقط، لهذا الحديث، نسمي هذا الحديث، حديثاً عزيزاً، وإن كان في الطبقات الأخرى روي ثلاثة أو أربعة أو أكثر، فإنه لايسمى إلا بهذا المسمى وهو لفظ العزيز.
شرح معنى الحديث العزيز: أن لا يرد في طبقة من طبقات السند أقل من اثنين، أما إن وجد في بعض طبقات السند ثلاثه فأكثر، مع وجود اثنين فقط في إحدى الطبقات، فلا يضر هذا في تسميته بالعزيز، إذ أن الشرط هنا أن تبقى ولو طبقة واحدة فيها اثنان، لأن العبرة بأقل طبقة من طبقات السند.

مثال الحديث العزيز:
مارواه الشيخان البخاري، ومسلم وغيرهما، كثير من أهل العلم، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لايؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين)، فهذا المثال ينطبق عليه مسمى الحديث العزيز.
لأننا إذا رجعنا إلى طبقات الإسناد من لدن الراوي أنس بن مالك رضي الله عنه إلى المصنف البخاري ومسلم وغيرهما، لوجدنا هذا الحديث يكون من عدة طبقات وفي إحدى الطبقات لم يرو هذا الحديث إلاّ رجُلان اثنان فقط، ومن هذا الباب نطلق على هذا الحديث ونحوه من الأحاديث التي ينطبق عليها ما ذكرناه الحديث العزيز، أما إذا لم يكن في واحدة من طبقات الإسناد إلاّ راوي واحد، فذلك له حكم آخر وله مسمى آخر.

العرّاب
08-04-10, 04:07 AM
الحلقة العاشرة
الحديث (الثالث)

عن أبي هريره رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يغتسل أحدُكم في الماء الدائم وهو جنب)، الحديث بهذه الرواية أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وللبخاري في صحيحه رواية آخرى بلفظ: (لا يَبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثُمَّ يغتسل فيه) ولمسلم (ثم يغتسل منهُ)، وفي رواية لأبي داوود: (ولا يغتسل فيه من الجنابة).
(تخريج هذا الحديث): أخرجه الشيخان البخاري ومسلم، كما أخرجه عدد كثير من أهل العلم، هذا الحديث قد ورد بروايتين:
الرواية الأولى: (لا يغتسل أحدكم)، هذه الرواية أخرجها الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، والنسائي في سُننه في كتاب الطهارة وكتاب المياه والغسل، وكما رواها الإمام ابن ماجة في سننه في كتاب الطهارة، فقد أخرجها ثلاثة من أصحاب الكتب الستة.
الرواية الثانية: (لايبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري)، فهذه الرواية، كما ذكر الحافظ ابن حجر قال: للبخاري، أي: أن هذه الرواية بهذا اللفظ أخرجها الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الوضوء، كما أخرجها أيضاً الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، كما أخرجها الإمام الترمذي في سننه في كتاب الطهارة، وأبو داود في سننه في كتاب الطهارة، والنسائي في سننه في كتاب الطهارة وفي كتاب الغسل، والدَارِمي في سننه في كتاب الوضوء، والإمام أحمد في مسنده في عدة مواضع فهذا الحديث، إذن أخرجه أصحاب الكتب الستة، عدا ابن ماجة، كما أخرجه أيضاً الإمامان الدارمي في سننه وأحمد في مسنده.
الخلاصة: بأن هذين الحديثين، هما في الذروة من الصحة، وإن اختلفت روايات كل منهما، إذن عندنا في هذا الحديث روايتان:
بيان أهم المفردات الواردة في هذا الحديث بروايتيه:
لا يغتسل: الاغتسال: هو إفاضة الماء على جميع أجزاء البدن، فمعنى قوله: لا يغتسل أي: لا يغسل جميع أجزاء جسده في الماء، وهي مجزومة بلا الناهية كما هو واضح وبين.
الماء الدائم: هو الراكد والساكن، فُسِّر هذا اللفظ في رواية أخرى وردت في هذا الحديث، وهي رواية البخاري بلفظ "الدائم الذي لايجري" ولايتحرك، وينبغي لطالب العلم حينما يبين ويشرح المفردات أن يعتمد أولاً على الروايات الأخرى التي وردت في هذا الحديث، مطلقاً أيّاًً كان نصاً أوحديثاً، لأن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضاً، ويبين بعضه بعضاً، وعلى فرض أن الحديث روي بالمعني، ولم يخرج من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بلفظ واحد، فالذي رواه بالمعنى هو الصحابي في الغالب، والصحابي أعلم منا باللغة وبمراد الرسول صلى الله عليه وسلم، فتفسير بالدائم: هو بمعنى الذي لا يجري، وهو أقوى التفسيرات وأوضحها.
جنب: بالرجوع إلى "كتاب النهاية في غريب الحديث لابن الأثير الجَزري" يقول: الجنب: هو الذي يجب عليه الغُسل بالجماع وخروج المني، ويقع لفظ الجُنب على الواحد والاثنين والجماعة، كما أنه يطلق على المذكر والمؤنث بلفظ واحد، لأنه يعتبر اسم جنس يشمل الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث هذا الأصل فيه، لكنه كما ذكر ابن الأثير رحمه الله قال: "وقد يجمع لفظ جنب على أجناب وجنبين" فتقول هؤلاء أجناب وتعني أنهم متصفون بصفة الجنب، وكذا تقول هؤلاء جُنُبون على معنى أن كل واحد منهم متصف بهذه الصفة.
والجنابة اسم، يطلق جنب، ويطلق اسم الجنابة، والأصل في مادة جنب تعني البُعد، تقول تجنّب كذا: أي ابتعد عنه، وسمي الإنسان جُنباً؛ لأنه نهي أن يقرب مواضع الصلاة ما لم يتطهر، قيل لمجانبته للناس حتى يغتسل وهذا بعيد، لأنه ليس من الشرع مجانبة الجنب لإخوانه المسلمين، كما هو معروف في قصة أبي هريرة رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الذي لايجري: هذا تفسير لمعنى الدائم، كما في رواية البخاري "لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم"، فسّر الدائم بالذي لايجري، فهو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، هذا هو الأصل وهذا هو المتبادر للذهن من الوهلة الأولى من قراءة النص النبوي، قال بعض أهل العلم إن المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكر لفظة: "الذي لايجري" احترز بها عن الماء الراكد الذي يجري بعضه، مثل: البِرَك التي يصب فيها الماء عن طريق الدلو ونحوه، أو عن أي طريق آخر، فالماء يصب في البركة ثم يجتمع فيها، ولكن هناك فتحة أو فتحات لتصريف الماء وجريانه، فهو دائم في جهة، ولا يجري في جهة أخرى، ومن هنا سمي بهذا الاسم الذي لا يجري.
قول لبعض أهل اللغة يؤكد هذا المعنى ويؤكد هذا المفهوم: قال ابن الأنباري: "الدائم" من حروف الأضداد يقال: للساكن دائم ويقال للدائر: دائم، فلفظ الدائم: يطلق على معنين اثنين: المعنى الأول: الساكن، المعنى الثاني: الدائر، من الدوران، الذي يدور ويتحرك لكن ليس جرياناً وإنما حركة دائرية، ومنه أصاب الرأس دُوام، أي: دُوار، دوام مأخوذ من مسمى الدائم.
فقوله صلى الله عليه وسلم في توضيح لفظ الدائم بالذي لا يجري هي صفة مخصصة لمفهوم المعنى المشترك، وليست صفة مطابقة لنفس المعنى.
ثم يَغتسلْ: لفظة يغتسل: تعتبر ثلاثية الحركات، فوردت برواية "يَغتسلُ" وهذه الرواية المشهورة بالضم، و وردت "ثم يغتسلْ" بالجزم ، ووردت في رواية" يغتسلَ" بالفتح، فنحتاج إلى بيان هذه الكلمة على الحركات الثلاث.
أولاً: رواية الرفع: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يَغتسلُ فيه"، بضم اللام وهذه هي الرواية المشهورة، يكون إعرابها: ثم عاطفة عطف جمل، وليس عطف ألفاظ ومفردات، ويغتسلُ: الفعل المضارع في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، تقديرالكلام: ثم هو يغتسلُ، هو ضمير الشأن مبتدأ، وجملة يغتسلُ من فاعلها ومفعولها في محل رفع خبر المبتدأ هو، المقصود أنها مجردة من الناصب والجازم، والفعل المضارع، إذا تجرد من الناصب والجازم فإنه يكون مرفوعا، ورواية الرفع "ثم يغتسلُ" هي الرواية المشهورة.
ثانياً: رواية الجزم: يجوز الجزم عطفاً وذلك بأن تقول: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسلْ فيه" بالجزم، وحينئذٍ: تكون معطوفة، يغتسل: فعل مضارع مجزوم معطوف على الفعل المضارع الأول لا يبولن، وهو مجزوم محلاً، الفعل يبول مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، لكنه في محل جزم، لأنه مجزوم بلا الناهية، فلو كانت النون غير موجودة لقيل "لا يبُلْ" بجزم اللام، ثم يغتسل فعل مضارع آخر معطوف على الفعل الأول المجزوم، فحينئذٍ: يكون مجزوماً مثله، هذا على رواية الجزم "ثم يغتسلْ فيه".
ثالثا: رواية النصب: "ثم يغتسلَ فيه"، فيكون حينئذٍ الفعل يغتسلَ منصوب على إضمار أن: ثمَّ أن يغتسل فيه، فحذفت أن وبقى ناصبها فصارت ثم يغتسل فيهِ، وإذا قلنا "أن يغتسل" فيكون هناك المعنى متغير، إذا قلنا "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم أن يغتسل فيه"، فهذا يعني أن النهي منصب على الجمع بين الأمرين: وهو البول، والاغتسال في مكان واحد.
وقد اعترض الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم على هذه الرواية، أي: رواية النصب وقال: بأنها غير واردة هنا في هذا المقام، لأننا إذا قلنا بأن يغتسل منصوب بأن مضمرة بعد ثم، يقتضي الكلام بأن النهي إنما هو منصب على الجمع بين الأمرين وهما البول والاغتسال في هذا الماء الدائم، مع أن اللفظ النبوي نهى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمرين كلاهما منفصل عن الآخر، فنهى صلى الله عليه وسلم عن البول وحده، ونهى عن الاغتسال وحده، ورواية النصب تعني الجمع بين الأمرين وهذا غير وارد.
فيه: لفظ فيه هنا هو لفظ الإمام البخاري في صحيحه، "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لايجري ثم يغتسلُ فيه"، وورد في رواية لمسلم ثم يغتسلُ منهُ.
الرواية الأولى: ثم يغتسل فيه ظرفية ؛ أي: في الماء.
الرواية الثانية: رواية مسلم ثم يغتسلُ منه ؛ أي: من الماء، فتكون بيان أو تبعيض لهذا الأمر.
وعلى اللفظين يختلف المعنى اختلافاً بسيطاً، فعلى المعنى الأول؛ ثم يغتسل فيه: يفيد أن النهي المعنى والمراد فيه أي لا يغتسلُ فيه أي في الماء بالانغماس فيه، سواءٌ انغماس كلي أو انغماس جزئي.
وأما رواية "ثم يغتسل منه": فهي في حقيقتها أعم من رواية يغتسل فيه؟ لأنها تشمل معنى الانغماس فيه، فيسمى مُغتسلاً منه، وتشمل معنى آخر لاتشمل الرواية الأولى، وهومعنى التبعيض: بمعنى أن يغترف من الماء ثم يغتسلُ بهذا الماء الذي اغترف فيه خارجه، فهذا يفيده رواية "ثم يغتسلُ منهُ" ولا يفيده المعنى الأول الذي هو بلفظ "يغتسلُ فيه".
إذن روايتان وردتا في قوله صلى الله عليه وسلم ثم يغتسل فيه، الرواية الأولى رواية البخاري ثم يغتسلُ فيه الرواية الثانية ثم يغتسلُ منهُ.
فالرواية الأولى: تفيد الظرفية، المنهي عنه هنا إذن الاغتسال في الماء بالانغماس فيه بأي شكل.
أما الرواية الثانية: ثم يغتسل منه فالمراد بها التبعيض أو البيان بمعنى أن، إذا قلنا بأن منه بيانية ؛ المقصود الاغتسال من هذا الماء ولو بالانغماس به وإذا قلنا بأن من تبعيضية ؛ فمعنى أن يأخذ منه ثم يغتسل خارجه.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في كتابه فتح الباري قال: (وكلٌ من اللفظين يفيد حكماً بالنص وحُكماً بالاستنباط)؛ كلام قوي ودقيق في هذا المقام، وكلٌ من اللفظين ، أي: (فيه، منه) يفيد حكماً من النص وحكماً بالاستنباط، فلفظ فيه: يفيد النهي عن الانغماس في الماء الذي وقع عليه البول، هذا بالنص، وبالاستنباط: يفيدنا أنه إذا كان لايجوز لك أن تنغمس في الماء الذي وقعت فيه النجاسة؛ أيضاً لايجوز لك أن تأخذ من الماء وتصبه عليك خارجه.
(ورواية منه) رواية مسلم؛ تفيد حكماً بالاغتراف منه نصا، كما أنها تفيد من حيث المعنى عدم جواز الاغتسال فيه.

العرّاب
08-04-10, 04:07 AM
الحلقة الحادية عشرة
(تكملة لشرح الحديث الثاني)

عن أبي هريرة رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم_: ((لايغتسل أحدُكم في الماء الدائم وهو جُنُب))، ورواية اخرى ((لايبولنّ احدُكم في الماء الدائم الذي لايجري ثم يغتسل فيه))


بحث الفوائد والأحكام:
مرادنا ببيان أهم الفوائد والأحكام هو ما يسمح به المقام، ومايتعلق بالموضوع الذي نحن بصدده ألا وهو كتاب الطهارة وباب المياه.
الحكم الاول: في هذا الحديث دلالة على أن الماء الراكد إذا خالطته نجاسة فإنها تنجسه، ولو لم تغير طعمه أو لونه أو ريحه.
الحكم الثاني: في هذا الحديث دلالة على النهي عن البول أو الاغتسال في الماء الراكد، وهو نص الحديث بروايتيه: "لايغتسل أحدكم" و"لا يبولن أحدكم"، فالنهي واضح وصريح في هاتين الروايتين.
قال بعض أهل العلم: النهي في هذا الحديث إذ كان في الماء الكثير فهو للكراهة، وإذ كان في الماء القليل فهو للتحريم أي: أن النهي عن اغتسال الجُنُب وعن البول، يختلف باختلاف أحوال الماء، فإذا كان هذا الماء قليلاً فحينئذٍ النهي للتحريم، ويأثم من يعمل هذا العمل؛ لأنه ينجسه، أمّا إذا كان الماء كثيراً فحينئذٍ النهي للكراهة، وليس للتحريم، لأن النجاسة فيه أخف بكثير، حيث أن الماء يجري ويتغير ويكون مستمداً من منبع، إما بئر أو نهر أو عين أونحو ذلك.
لكن هذا الحكم اعترض عليه بعض أهل العلم فقالوا: بأن في هذا استعمال للفظ النهي، الذي هو "لايغتسل" "ولايبولن"، استعمالاً له في حقيقته ومجازه معاً وهذا غير وارد.
يقولون فإن نهي المصطفى صلى الله عليه وسلم في قوله: "لايغتسل" وفي قوله: "لايبولن"، هذا نهي، فالنهي إما يكون نهيا حقيقياً فيكتسب التحريم، وإمّا أن يكون نهياً مجازياً فيكتسب الكراهة، فأنتم في تفريقكم بين القليل والكثير هنا وانسحاب التحريم على أحدهما، والكرهة على الآخر فرقتم بين اللفظ الواحد وجعلتموه حقيقة ومجازاً في آن واحد؛ لكن يجاب على هذا، فيقال: بأن النهي في "لا يغتسل" وفي "لا يبولن"، ليس مقصود به التحريم أو الكراهة وإنما المقصود به هنا، هو عدم الفعل وهنا هذا النهي، شامل للتحريم وشامُل للكراهة معاً، فيكون النهي في هذا منصباً على عدم الفعل، أي: ترك الفعل، فحينئذٍ نخرج من هذا الإشكال ومن هذا الاعتراض، ويتبقى لنا مصداقية وصواب الحكم السابق: بأنه إذا فعل هذا في الماء الكثير فهو مكروه، وإذا فعله في الماء القليل فإنه يعد محرماً وهذا من النص النبوي.
الحكم الثالث: في هذا الحديث دلالة على نجاسة الماء الذي وقع فيه البول أو الاغتسال من الجُنُب، هذا الحديث في نهي صريح في روايتيه يدل في ظاهره على نجاسة الماء الذي وقع فيه البول أو وقع فيه الاغتسال من الجنب، وبالتالي إذا قلنا: بأنه نجس، فحينئذٍ لايجوز استخدامه، ولاينبغي استعماله مطلقا، هذه المسألة ليست محل اتفاق بين أهل العلم، وإنما وقع الخلاف فيها على النحو التالي:
القول الاول: ذهب الإمام مالك، إلى أن الماء المستعمل، يعني الذي حصل فيه هذا الأمر من بول أو اغتسال جنب، هذا الماء المستعمل يعد طهوراً، ويأخذ حكم المياه الطاهرة، بالقيد المعروف وهو (عدم تغير لونه أوطعمه أو رائحته)، فعند الإمام مالك أنه يبقى على طهوريته، لكن يكره استعماله لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استعماله، فهذا الماء يكون طهوراً ولا إشكال فيه حينما وقع عليه هذا الشيء، ولكن يكره استعماله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
القول الثاني: وإليه ذهبت الظاهرية، قالوا: أن النهي هنا، للتحريم وإن كان النهي تعبديا، لا لأجل النجاسة، وإنما لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم حملوا نهي المصطفى صلى الله عليه وسلم كما هي عادة الظاهرية دائماً وأبداً، كل نهي من المصطفى صلى الله عليه وسلم فإنهم يحملونه على التحريم.
القول الثالث: الحق في هذه المسأله فهو ماسبق الإلماح إليه والتنبيه عليه، وهو أن هذا الماء إذا وقعت فيه تلك النجاسة وكان هذا الماء قليلاً فحينئذٍ يحرم إيقاعها فيه، وإذا وقعت فيه فإنه يكون نجساً مطلقا، أما إذا كان الماء كثيراً ووقعت هذه النجاسة فيه ولم تغيره فحينئذٍ يكون الماء طهورا، وأما هذا العمل الذي قام به يعد مكروها، هذا هو القول الثالث التفريق كما أسلفت بين قليل الماء وكثيرة، ولعل هذا القول هو التحقيق وهو الراجح إن شاء الله عز وجل، بما قدمناه في الحديث السابق من أدلة تدل على التفريق بين قليل الماء وكثيرة في الحكم.
الحكم الرابع: في هذا الحديث دلالة على النهي عن البول أو اغتسال الجنب في الماء الراكد، فالمصطفى صلى الله عليه وسلم نص على الماء الدائم الذي لا يجري، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن البول واغتسال الجُنُب فيه كما قدمنا، أما الماء الجاري فلا يحرم كما يقتضيه مفهوم الحديث، وإن كان الأولى اجتنابه لما فيه من إضرار بالمسلمين، فلا شك أن الماء الجاري ينبغي احترامه وذلك بتنظيفه ما أمكننا دائماً وأبداً، وعدم إيقاع أي شيء من القاذورات فيه، فإن لم تستفد منه أنت فالآخرون من إخوانك المسلمين يستفيدون منه، وحفاظاً على البيئة التي أوصانا ديننا الحنيف بالمحافظة عليها بشكل دائم ومستمر.
الحكم الخامس: دل الحديث بمفهومه على النهي عن إراقة البول في الماء بأي شكل من الأشكال، سواء كان مباشرة أو عن طريق غير مباشر، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم)، فهذا دليل على النهي عن إراقة البول في الماء بأي شكل من الأشكال بدلالة النص في الأول، وبدلالة المعنى في الثاني وعلى هذا قول جماهير العلماء ينصون على أنه لاينبغي الاقتراب من المياه الراكدة والجارية في إلقاء القاذورات والبول فيها مطلقاً بأي حال من الأحوال، سواء كان بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر.
لكن خالف بهذه المسألة الظاهرية، وهذا من غرائب آرائهم، وغرائبهم كثيرة، فهم يفرقون بين الأمرين ويقولون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لايبولن أحدكم في الماء الدائم)، فحينئذٍ مباشرة الماء الدائم بالبول فيه مباشرةً هذا محرم، أما صب البول فيه أو تصريف المجاري إليه أو نحو ذلك فإن هذا غير داخل في التحريم.
قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في هذه المسألة، وفي التعليق على ماذكره الظاهرية هنا، قال: "مما يعلم بطلانه قطعاً ما ذهبت إليه الظاهرية الجامدة، من أن الحكم مخصوص بالبول في الماء، حتى لو بال في كأس وصبّهُ في الماء لم يضر عنّدهُم، أو لو بال خارج الماء فجرى البول إلى الماء لم يضر عندهم" قال: "والعلم القطعي حاصلا ببطلان قولهم، لاستواء الأمرين في الحصول على الماء والجريان فيه، فإن المقصود اجتناب ما وقعت فيه النجاسة من الماء، وليس هذا من مجال الظنون بل المقطوع" أي: أن الحكم قطعياً في الدلالة وليس ظنياً، لأن النهي مباشر وصريح من المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهو يشمل البول المباشر والجريان وغيرهما.
الحكم السادس: النهي في هذا الحديث صريح في الاغتسال في الماء الذي تنجس بملاقته لبول أو جنابة، تلاحظون بأن الروايات التي ذكرنا كل الروايتين تنص على الاغتسال (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه) والروايه الثانية (لا يغتسل في الماء الجاري)، فحينئذٍ النهي إنما هو منصببٌ على الاغتسال، ولاشك أنه يقاس عليه عدم جواز الوضوء من ذلك الماء، لأن الحكم فيهما واحد، وهذا على قضيتنا ممتدٌ إلى قضيتنا السابقة ألا وهي: هل هذا الماء نجس لأنه قليل، أم أنه لايكون نجس لأنه كثير.
ومما يؤكد الدلالة على أن الاغتسال والوضوء سواء، أنه قد وردت رواية في هذا الحديث تؤكد هذا المعنى وتؤكد هذا المفهوم، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه، وأحمد في مسنده، وابن أبي شيبة في مصنفه والإمام الترمذي في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه).
الحديث الأول: (لايبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه) وفي هذه الرواية (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه) وهذه الرواية، رواية صحيحة، صححها عدد من أهل العلم منهم الإمام الترمذي في سننه، وابن حبان في صحيحه، فقد حكم على هذه الرواية بالصحة.
وقد ورد في هذا الحديث في رواية لابن حبان والطحاوي والبيهقي بزيادة لفظ (أو يشربُ) فوردت عندهم بلفظ (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ أويشربُ منه)، فدلنا هذا الحديث دلالة واضحة بصريح عباراته برواياته أن الماء الذي وقع فيه بول أو اغتسال الجُنُب، فإنه لا يصح ولا يجوز الاغتسال منه ولا الوضوء منه ولا الشرب منه وهذا كما أسلفت إذا كان الماء قليل ودائم راكد ساكنا، أما إذا كان الماء كثيرا وجاريا فحينئذٍ له حكم آخر.
الحكم السابع: الدين الإسلامي دين نظافة وطهارة، فهو ينهى عن النجاسات بشتى صورها وأشكالها ومنها تلك القضية وهذه المسألة، فالرسول صلى الله عليه وسلم ينهانا عن تلويث المياه الراكدة بأي شكل من أشكال التلوث سواء كان ذلك تلويثاً مغلظاً كالبول فيها ونحوه، أوكان تلويثاً مخففاً كالاغتسال منها حال الجنابة، وذلك لما يسببه من أضرار على مستخدمي هذه المياه وما يسببه أيضا من أضرار على البيئة العامة للمجتمع.

باب الآنية:
وقبل أن ندخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوارد في هذا المقام؛ لابد لنا من الحديث عن الآنية والمراد بها وتعريفها والمقصود بها، فنقول:
الآنيةُ: جمع، ومفرده إناء، والإناء: هو الوعاء، فأدوات المنزل وأدوات المطبخ فيها الآنية والأوعية أيضا، والإناء: هو ما يستعمل في شغل البيت من طبخ وغسل وأكل وشرب ونحو ذلك، فكله يطلق عليه إناء.
أصل هذه الكلمة من الناحية اللغوية ولماذا سمي الإناء بهذا الاسم قال علماء اللغة أصل الإناء في اللغة: هو النضج، وقد ورد في القرآن الكريم في قول الله عز وجل "إلى طعام غير ناظرينَ إناه" ف "إناه" هنا المقصود بها: نضجه، أي: لاتنتظرون في بقائكم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام ينضج أو نحو ذلك، إذن الإناء مصدر في أصل اللغة، 1يراد به معنى النضج، 2ثم تطور هذا اللفظ فاستعمل في الوعاء الذي يُجعل فيه الطعام لإنضاجه، 3ثم بعد ذلك توسع في اللفظ إلى حاجات البيت المختلفة كما قدمنا.
إذن أصل الإناء في اللغة: هو الإنضاج مطلقا الطبخ مطلقا، ثم بعد ذلك تطور اللفظ فاستخدم في الوعاء والقدر الذي ينضج فيه ويطبخ فيه الطعام، ثم بعد ذلك توسع في هذا اللفظ وطور بحيث يطلق الإناء على جميع الحاجات والأوعية والأدوات المنزلية سواء كانت تستخدم في الطبخ مباشرة أو أنها لا تستخدم فيه، ولهذا قد يطلق الإناء على القرب ونحوها مما يستخدم في حفظ الماء.

العرّاب
08-04-10, 04:07 AM
الحلقة الثانية عشرة

قد يقول قائل لماذا بوب الفقهاء رحمهم الله تعالى للآنية هنا، ولماذا وضع هذا الباب في الفقه هنا؟
بوب لها لسبب معين في هذا الشأن قالوا:
السبب الاول: لأن الشارع الحكيم قد فصل وبين بعض أحكامها، فأنسب الأبواب لها هنا بابٌ الآنية.
السبب الثاني: لأن الماء الذي يتطهر به لا يمكن الحصول عليه والاستفادة منه إلا بالآنية، وهذا صحيح فالماء سائل لا يمكن أخذه والاستفادة منه واستعماله إلا بإناء يوضع فيه، والكتاب الذي نحن بصدده كتاب الطهارة ويعتمد على الماء، والماء لايمكن حفظه ونقله واستعماله إلا عن طريق الإناء والوعاء الذي يوضع فيه، ولهذا عُقد باب للآنية مستقل في كتاب الطهارة، ألا وهو باب الآنية.

(الحديث الأول)
(من أحاديث باب الآنية)
عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صِحَافِهمَا، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة)) قال: الحافظ الحديث "متفق عليه".


تخريج هذا الحديث
هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه في عدة مواضع، منها الأشربة والأطعمة واللباس، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب اللباس، ورواه الإمام أحمد في مسنده في عدة مواضع، جميعهم رووا هذا الحديث بهذا اللفظ: ((لاتشربو في آنية الذهب والفضة ولاتأكلوا في صِحَافهِمَا))، كما ورد هذا الحديث أيضا بهذا اللفظ ((لاتشربوا في آنية الذهب والفضة، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة))، ولكن من غير ذكر (الأكل بالصحاف)، وهذه الرواية أيضا أخرجها الإمام البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وأحمد، وغيرهم من أهل العلم؛ ولكن كِلا الروايتين ثابتة وصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الراوي لهذا الحديث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم، أحياناً يذكر هذا الحديث مطولاً وأحيانا يقصر، فيذكره مختصر.
ترجمة الراوي:
حذيفة بن اليمان، واسم اليمان: حُسيل، هو حذيفة بن حُسيل الملقب باليمان بن جابر العبسي، حليف بني عبد الأشهل، هرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه بذلك أي: العبسي، والذي هرب هوَ أبوه رضوان الله عليه، هرب من قبيلته والتجأ إلى قبيلة أخرى كما هي عادة العرب في كثير من عصورهم، فالتجأ إليهم وانتسب إليهم بأن حالفهم وصار كأنه واحد منهم.
حذيفة وأبوه اليمان صحابيان جليلان، شهد كلاهما أُحد، وقتل والده اليمان بن جابر العبسي رضوان الله تعالى عليه شهيدا في معركة أحد، أما صحابينا حذيفة من أهم فضائله ومناقبه رضوان الله تعالى عليه، أنه كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يحكي له أسراره، ويذكر له كثيرا من الأمور التي اصطفاه بها، ولايذكرها لغيره، من ذلك إخباره صلوات الله وسلامه عليه لحذيفة بأسماء المنافقين، وذلك عندما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفل عائداً إلى المدينة، وكان حذيفة بجانب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم متضايقاً من المنافقين نظراً لما حصل لهم من مواقف، فسأله حذيفة رضي الله عنهم فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين بالمدينة المنورة واحداً واحداً، وأخبره صلوات ربي وسلامه عليه بأن هذا سر لا ينبغي لحذيفة أن يفشيه، ولم يفشِ حذيفة هذا السر، ولم يذكر أي اسم من أسماء أولئك المنافقين، وقصته في هذا الشأن مع الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضوان الله تعالى على الجميع معروفة، أيضاً من فضائله ويتبع هذا الشأن وهو: الإخبار بالأسرار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخبره بكثير من الفتن والملاحم التي تكون في هذه الأمة، وغيرها من بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى قيام الساعة، وقد أخبر حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه وروى لنا عدداً كثيراً من أحاديث الفتن والملاحم التي ستكون في هذه الأمة إلى قيام الساعة، وكونه صلى الله عليه وسلم، أخبره بما كان وما يكون حتى قيام الساعة هذا حديث ثابت وصحيح، أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، عن حذيفة بن اليمان رضوان الله تعالى عليه، أيضا من فضائله: أنه شارك في فتوحات المسلمين في أرض خرسان وغيرها، وقد روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، مات رضوان الله عليه بالمدائن في أرض العراق (سنة35هـ)، وذلك بعد استشهاد الخليفة الراشد والصحابي الجليل (ذو النورين) عثمان بن عفان رضوان الله عليهم بأربعون ليلة (سنة 35 هـ).
أهم المفردات:
الصِحاف: تحدث شراح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن قبلهم ومن بعدهم علماء اللغة فقالوا: الصِحاف بكسر الصاد جمع صَحفة، (1)قال ابن الأثير الجزري رحمه الله تعالى في كتابه "النهاية في غريب الحديث" كتاب مهم لطالب العلم: (هي إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها وهو دون القصعة في الحجم).
(2)وقال الكسائي في بيان الصحفة والمراد بها وبيان الآنية التي يطبخ فيها ويؤكل منها ومقدار تلك الأواني وأحجامها ومن بينها الصحفة قال: (أعظم القِصاع الجَفنة، ثم القصعَة تليها تشبع العشرة، ثم الصَحفَة تُشبع الخمسة، ثم المُتَّكَلَة تشبع الرجلين والثلاثة).
فإنها لهم: عندنا ضميران في هذه الجملة، الضمير الأول (فإنها) يعود على آنية الذهب والفضة وصحافهما، الضمير الثاني (لهم) يعود على الكفار والمشركين، وقد يقول: قائل: لم يرد ذكر لفظ الكفار والمشركون في النص النبوي، نعم، إلاّ أنّهم معلومون ومفهومون من سياق الكلام بذكر الضد، فذكر (لكم) أي: المسلمون، و (فإنها لهم) أي: (الكفار والمشركون).
لهم في الدنيا: هذا لا يعني حلها لهم ولا يعني إباحتها لهم، ولايجوز لهم مطلقا استعمالها، وإنما المراد إخبار بما عليه حالهم وواقعهم، والذي تقرر عليه الشأن بأن الكفار والمشركون مخاطبون بفروع الشريعة كما أنهم مخاطبون بأصولها.
(الحديث الثاني)
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذي يشرب في إناء الفضة إنّمَا يُجرجرُ في بِطنه نار جهنم))، الحديث "متفق عليه".


تخريج الحديث:
الحافظ ابن حجر رحمه الله قال تعليق على هذا الحديث: متفق عليه، أي: أنه في الذروة من الصحة فلا إشكال في إسناده فهو صحيح، ولا إشكال في حاله فهو صحيح ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بيان وذكر بعضٍ ممن خرج هذا الحديث، ورواه من أهل العلم من المصنفين:
هذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأشربة، كما رواه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب اللباس، وكذلك رواه من أصحاب السنن الإمام ابن ماجة في كتابه الأشربة، كمارواه الإمام الدارمي في سُننه في كتاب الأشربة، كما رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ في باب صفة النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما رواه الإمام أحمد في مُسنده في عدة مواضع من مسند أم سلمة رضي الله عنها، وجميعهم رووا هذا الحديث بهذا اللفظ، هناك أيضا رواية أخرى في هذا الشأن في حديث أم سلمة وردت بلفظ: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب)، هذه الرواية مع غيرها في بحث تخريجي، هذا الحديث نُبينهُ كالتالي:
هذه الرواية أخرجها الإمام مسلم في صحيحه بهذا اللفظ: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) وقال مسلم بعد ذلك: وليس في حديث أحد منهم، ذكر (الأكل والذهب)، إلا في حديث ابن مسهر ويعني به (علي بن مسهر).

العرّاب
08-04-10, 04:08 AM
الحلقة الثالثة عشرة

(هذه الحلقة خاصة بمصطلح الحديث تكملة ماسبق ذكره) (4)
ثانياً: الحديث العزيز:
تعريفه الاصطلاحي: عرّفه علماء الحديث، بأنه لا يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات السند، يعني من لدن الصحابي الذي روى هذا الحديث سواءً أكان واحدا أو أكثر، فهذا لا يهم ولا يؤثرعندنا فيما يتعلق بتقسيمات خبر الآحاد هنا، لكن العد والحساب إنما يكون في الطبقات التي تلي طبقة الصحابي.
فالعزيز يشترط فيه أن لا يقل رواته عن اثنين في جميع طبقات الإسناد، فإذا وجدنا في أحد الأحاديث طبقة من طبقاته مكونة من اثنين إلى اثنين إلى اثنين حتى المصنف، فإن هذا الحديث يسمى عزيزاً، ولا يؤثر أن يكون في أحد الطبقات ثلاثة أو أربعة أو خمسة مطلقاً، إنما الذي يؤثر في تسميته بالحديث العزيز إذا وجدنا في أحدى الطبقات واحد فقط، فحينئذ يخرج من مسمى العزيز ويدخل في مسمى آخر.
فمعنى التعريف: أن لا يرد في طبقة من طبقات السند أقلُ من اثنين.
أما إن وجد في بعض الطبقات ثلاثة فأكثر، فإن هذا لا يضر، إنما الشرط هنا أن تبقى ولو طبقة واحدة فيها اثنان، لأن العبرة بأقل طبقة من طبقات الإسناد.
مثال الحديث العزيز الذي يمثل به العلماء: ما رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما، من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكونَ أحبَ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين).
فهذا الحديث لو نظرنا إلى طبقات إسناده ورواته الذين خرج لهم البخاري ومسلم وغيرهم، لوجدنا أن طبقات الإسناد من لدن المصنف، مثلا: البخاري أو مسلم أو الترمذي أو النسائي، على سبيل المثال، من لدن هذه الطبقة طبقة المصنفين إلى طبقة الصحابي أنس، عدة طبقات، وإذا نظرنا فيها فإننا نجد كل طبقة قد روى هذا الحديث فيها اثنان فأكثر، ومن هنا سمي هذا الحديث عزيزا، وهو إنما سمي عزيزا لندرته وقلته.
ثالثا: الحديث الغريب: وهو في الحقيقة الكثير فيما يتعلق بأخبار الآحاد.
تعريفه: هو ما ينفرد بروايته راوٍ واحدٍ في أي طبقة من طبقات الإسناد، فإذا وجدنا في طبقة من طبقات الإسناد من لدن الصحابي إلى مجموعة المصنفين، ليس فيها إلا راوٍ واحدٍ فحينئذ هذا الحديث يطلق عليه غريب، ولو كانت الطبقات الأخرى قد تجاوز عدد الرواة فيها الثلاثة والأربعة والخمسة، فإنه ينظر إلى الطبقة التي وجد فيها أقل الرواة.
ومعنى التعريف كالتالي: أن هذا الحديث الذي يستقل بروايته شخص واحد، إمّا أن يكون في كل طبقات من طبقات الإسناد من لدن المصنف إلى الصحابي يرويه واحد عن واحد، أو كان هذا التفرد حصل في بعض طبقات الإسناد ولو كان ذلك في طبقة واحدة فقط، فإنه يسمى هذا الحديث غريباً، ولا تضر الزيادة عن واحد في طبقات الإسناد الأخرى، لأن العبرة للأقل.
الحديث الغريب يطلق عليه إطلاق آخر وهو مشهور عند علماء الحديث مثله: الا وهو: التفرُد أو الفرد، ولهذا تلاحظون في التعريف أن أول كلمة وردت التفرد، فقلنا: "هو ما ينفرد بروايته" ولهذا يقال أحاديث غرائب، أو أفراد، وهما بمعنى واحد.
أقسام الحديث الغريب أو الحديث الفرد
ينقسم بالنسبة لموضع التفرد فيه إلى قسمين:
1: الغريب المطلق أو الفرد المطلق:
وتعريفه: عرفه العلماء بأنه ما كانت الغرابة فيه في أصل سنده، أي ينفرد بروايته شخص واحد في أصل سنده عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومقصودهم بأصل السند من لدن الصحابي، فإذا قيل أصل الإسناد أو أول الإسناد فالمقصود به من لدن الصحابي، وإذا قيل آخر الإسناد أو نهاية الإسناد فالمقصود من لدن المصنف، لأن الذي عند الصحابي هو الأول لأنه الأعز والأسمى والأرفع والذي عند المصنف هو الآخر، وهو النهاية.
مثاله حديث معروف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى).
فهذا الحديث: حديث ثابت وصحيح باتفاق أهل العلم على هذا، وهو أول حديث أورده البخاري، وصدَّر به كتابه الجامع الصحيح، لما في هذا الحديث من المعاني المهمة.
فحديث (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، هذا يعد من الحديث الغريب، ويمثل به على القسم الأول من أقسام الحديث الغريب وهو الحديث الغريب المطلق، هذا الحديث لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا لا إشكال فيه، وليس هذا موضع الغرابة هنا فالصحابي إذا تفرد لا يعد في الحساب هنا ولا يعد في المسمى أن يكون الحديث عزيزا أو غريبا أو مشهورا، الإشكال فيما بعده، فإنه لم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص، ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد ابن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد، وحينما أتى من طبقة يحيى بن سعيد اشتهر وانتشر، ورواه عن يحيى بن سعيد عدد كثير من أهل العلم، نلاحظ هنا (الطبقة الأولى) طبقة علقمة، فقد تفرد به عن عمر، (الطبقة الثانية) طبقة محمد بن إبراهيم، وقد تفرد به عن علقمة، و(الطبقة الثالثة) طبقة يحيى بن سعيد فقد تفرد به عن محمد بن إبراهيم.
فمن هنا سمي هذا الحديث فردا مطلقا أو غريبا مطلقا، وذلك للتفرد في أصله في رواية التابعي عن الصحابي رضوان الله تعالى عليهم.
وأيضا يطلق من جزئيات ومن تفريعات الحديث الغريب المطلق أو الفرد المطلق، يدخل فيه ما رواه واحد عن واحد عن واحد إلى نهاية السند، أي: يتفرد به الصحابي عن الرسول صلى الله عليه وسلم، والتابعي عن الصحابي، وتابع التابعي عن التابعي، وهكذا إلى أن يصل إلى الطبقة الرابعة أو الخامسة طبقة المصنفين، فهذا داخل أيضا في الفرد النسبي، ونص العلماء على أنه داخل في الفرد المطلق، لأنه تفرد به راو عن راو عن راو إلى نهاية السند.
2- الغريب النسبي أو الفرد النسبي:
تعريفه: عرفه العلماء بأنه ما كانت الغرابة في أثناء سنده، وهو أن يرويه أكثر من راو في أصل سنده ثم ينفرد بروايته راويٌ واحد من أولئك الرواة عن راو من هؤلاء، بمعنى: مثالا: أن يكون هناك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه أحد الصحابة، ويرويه عن هذا الصحابي مثلا اثنان أو أكثر، ثم يتشعب هذا الحديث، وفي إحدى الطبقات عن أحد الرواة لا يرويه عن هذا الراوي إلاّ راوي واحد، فحينئذ نحكم على هذا الحديث بهذه الرواية بأنه تفرد، فنقول: بأنه تفرد به عن فلان عن فلان، فيكون غريبا نسبيا من هذه الجهة لماذا قيل نسبياً؟ لأن الغرابة فيه ليست مطلقا، وإنما هي نسبية في فرع من فروع إسناده، يقال: تفرد به مثلا فلان عن فلان، فيكون التفرد بالنسبة لأهل بلده، مثلا غريب تفرد به أهل مكة، أو تفرد به أهل المدينة، أوتفرد به أهل العراق، وهكذا، فتكون غرابته نسبية من هذا الباب، نظرا لأنه لم يروِ فيهم إلا عن طريق شخص عن شخص.
أحياناً يكون التفرد بالنسبة لفلان، يقال: تفرد بروايته عن الحسن البصري، تفرد بروايته عن سعيد بن جبير ونحو ذلك، فالتفرد هنا ليس مطلقا، وإنما هو تفرد نسبي لماذا؟ لأنه تفرد بالنسبة إلى سعيد بن جبير تفرد به، أما الحديث فهو مروي من طرق أخرى ومروي من روايات أخرى، لا ننظر إليها بمسمى الغريب النسبي، وإنما ننظر إلى هذه الرواية بمسمى التفرد النسبي، ولهذا كثر في كتب المحدثين إطلاق التفرد فيقال: تفرد به فلان عن فلان، وحينما ننظر في هذا الحديث نجده غير متفرد به، وإنما روي بروايات شتى، فنقول نعم إن التفرد الذي ذكره الطبراني أو ذكره الدارقطني أو نحوهما، وإنما يراد به التفرد النسبي، والغرابة النسبية، وهو تفرد هذا التلميذ عن هذا الشيخ بهذه الرواية.
مثال الغريب النسبي أو الفرد النسبي: ما رواه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما، عن مالك، عن الزهري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم: (دخل مكةَ وعلى رأسهِ المِغفر).
هذا الحديث قال عنه علماء الحديث أنه تفرد به الإمام مالك عن الزهري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، لكن لو نظرنا إلى أصل الحديث وإلى الرواية عن الصحابي رضي الله عنه، لوجدنا أنه قد رواه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، كثيرون هذا الحديث قد رواه عن أنس بن مالك عدد من التابعين، منهم الإمام الزهري، الإمام الزهري لم يروِ عنهُ هذا الحديث عن أنس إلا الإمام مالك، حينئذ نقول بأنه تفرد به مالك عن الزهري، ونقول هو غريب من حديث مالك عن الزهري، طبعا الإمام مالك رواه عنه كثيرون جدا فلا علاقة لنا فيه، وإنما النظر في مالك عن الزهري، فنقول رواية مالك عن الزهري، هي من قبيل الغريب النسبي أو الفرد النسبي، لأن التفرد والغرابة نسبية، بالنسبة لرواية مالك عن الزهري.

أشهر كتب الأفراد والغرائب التي صنفها العلماء:
1: كتاب الإمام الدارقطني "الأفراد والغرائب" فهو أشهر الكتب المؤلفة في هذا المجال على الإطلاق، ولكن للأسف فهذا الكتاب يعتبر حتى الآن في حكم المفقود، فلم يُعثر على هذا الكتاب، وإنما الذي وجد أجزاء حديثية لا تزيد عن أربعة أو خمسة أجزاء طبعت في مجاميع الأجزاء الحديثة، وحققت من لدن بعض أهل العلم.
2: ولكن ولله الحمد والمنة يوجد كتاب آخر اختصر لنا هذا الكتاب وهو كتاب "أطراف الأفراد والغرائب للدارقطني" للحافظ ابن القيصُراني، محمد بن طاهر القيصراني فقد ذكر فيه أطراف الأحاديث وخلاصة مادونه الدارقُطني فيه، فيورد الأحاديث على حسب مسانيد الصحابة رضوان الله عليهم ثم يورد ما يتعلق بالمسانيد على حسب ما روي عن هؤلاء الصحابة ثم يورد أطراف الأحاديث، ولا يذكر الإسناد، وإنما يذكر موضع التفرد فيقول تفرد به فلان عن فلان، وأكثر الأحاديث فيه من قبيل الغريب النسبي أو الفرد النسبي، وكتاب أطراف الأفراد والغرائب للدارقطني، مطبوع ومتداول.
3: كتاب المعجم الأوسط وأيضا المعجم الصغير للإمام الطبراني، وقد ألفهما على طريقِ تسلسل شيوخه، فالمعجم الأوسط كبير والأحاديث فيه كثيرة جدا، لأنه يستغرق ما يرويه عن شيوخه، وأما بالنسبة للمعجم الصغير فإنه يذكر لكل شيخ من شيوخه حديث من الأحاديث، وهو يتعمد ذكر الأحاديث التي يرى بأن فيها غرابة أو تفرد، فيورد الأحاديث عن شيوخه مجموعة في الأوسط، ويورد حديثا واحدا في الصغير، والذي يهمنا هنا أن الإمام الطبراني يعقب على كثير من هذه الأحاديث، فحينما يورد الحديث فإنه يقول: تفرد به فلان عن فلان، فيذكر موضع التفرد وموضع الغرابة في هذا الحديث، وهذا كثير جداً في معجمه الأوسط، ويكاد يكون مُلماً وشاملا في معجمه الصغير.
4: كتاب حلية الأولياء لأبي نُعيم الأصبهاني، وهو مليء بالأحاديث الغريبة، الغريب غرابة نسبية والإفراد إفرادا نسبيا، وهو يذكر ويشير إلى موضع الغرابة.

العرّاب
08-04-10, 04:08 AM
الحلقة الرابعة عشرة

(مواصلة لشرح أحاديث بابُ الآنية)
(حديث أم سلمة) رضي الله عنها ، لما في هذا الحديث من دعم للحديث السابق الحديث الأول (حديث حذيفة بن اليمان)، ولأن الأحكام المستنبطة منهما واحدة تؤكد معنى شرعياً واحدا ومفهوما معينا...
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الذي يشرب في إناء الفضة إنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم)) الحديث "متفق عليه"


تخريج الحديث:
هذا الحديث، قال عنه الحافظ ابن حجر: "متفق عليه" فهذا الحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الأشربة، ورواه الإمام مسلم في صحيحه أيضا في كتاب اللباس، وكذا رواه ابن ماجة في كتاب الأشربة، والدارِمي في سننه في كتاب الأشربة، كما رواه الإمام مالك في كتابه الموطأ في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه الإمام أحمد في مسنده في مسند أم سلمة رضي الله عنها في عدة مواضع، جميعهم رووا هذا الحديث بهذا اللفظ: (الذي يشرب في إناء الفضة إنما يُجرجِرُ في بطنه نار جهنم).
هناك رواية أخرى في هذا الحديث، وردت بهذا اللفظ: (إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الفضة والذهب إنما يُجرجِرُ في بطنه نار جهنم)، فهذه الرواية أضافت لنا لفظين وزادت لنا حكمين، اللفظ الأول: (الذي يشرب ويأكل، لفظ الأكل)، واللفظ الثاني: (في إناء الفضة والذهب)، فزادت لنا ذكر الذهب، هذه الرواية يا ترى من خرجها؟
هذه الرواية، رواية صحيحة أخرجها الإمام مسلم بهذا اللفظ: (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يُجرجِرُ في بطنه نار جهنم) قال: الإمام مسلم بعد سياقه لهذه الرواية: وليس في حديث أحد منهم -يعني من رواة الحديث- ذكر (الأكل والذهب) إلا في حديث ابن مُسهر -يعني رواية ابن مسهر، وهو علي بن مُسهِر القرشي- ورد فيها هذا اللفظ، فروايته تفرد فيها بهذين اللفظين (وهما ذكر الأكل والذهب).
إذن فهي زيادة على النص، وهي زيادة من ثقة، ف (علي بن مُسهٍر القرشي)، ثقة عند أهل العلم، فعلى هذا تكون الزيادة من ثقة، والعلماء يقولون: الزيادة من الثقة مقبولة، خاصة إذا كان ثقة من حيث المصداقية والموثوقية في مرتبة أولئك الذين رووا الحديث من غير الزيادة، وعلي بن مُسهِر مثلهم في الحكم بالثقة، فزيادته زيادة من ثقة ومقبولة عند أهل العلم، فيؤخذ بها ويحتج بها تماما مثل الرواية الأولى، فيكون الأكل مثل الشرب، والذهب مثل الفضة، في الحكم.
ترجمة راوي الحديث:
أم سلمة هي أم المؤمنين زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمُهَا هند بنت أبي أمية بن حذيفة، وقيل: سُهيل بن المغيرة المخزومية، كانت تحت أبي سلمة ابن عبد الأسد رضوان الله على الجميع، وقد هاجرت إلى أرض الحبشة مع زوجها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم عادت مع زوجها أبي سلمة رضوان الله تعالى عليهما إلى المدينة النبوية، ومكثت معه فترة من الدهر في المدينة، ثم توفي رضوان الله تعالى عليه، وبعد ذلك تزوجها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه سنة أربع من الهجرة، فكانت بذلك زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
توفيت أم المؤمنين رضوان الله عليها سنة اثنتين وستين من الهجرة، وقيل سنة تسع وخمسين من الهجرة، والأول أصح (62 ه)، ودفنت بالبقيع (أي بقيع الغرقد) وكان عمرها أربع وثمانين سنة رضي الله عنها.
بيان أهم المفردات في هذا الحديث الشريف:
يشرب في إناء الفضة: كذا عند الشيخين؛ الاقتصار على الشُرب، وعلى الفضة فقط، وقد انفرد الإمام مسلم رحمه الله برواية: (يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب)، وهذه الرواية ثابتة وصحيحة، لأن المتفرد بها ثقة ثبت عن أهل العلم، والذي خرجها هو الإمام مسلم في صحيحه، ونقول على فرض أن هذه الرواية لم تكن ثابتة، مع أنها ثابتة وصحيحة ولا يدخلها شك مطلقا، فهي واردة في الحكم بطريق الأَوْلى، لأن الأكل والذهب أعظم من الشرب والفضة؛ فإذا كان يحرم الشرب في آنية الفضة فمن باب أولى أنه يحرم الأكل في آنية الذهب.
يُجرجِر: الجرجرة هي صوت وقوع الماء في الجوف، فإذا شرب أحدنا ماء فإنه يصدر له صوتا غالبا، فهذا الصوت يطلق عليه جرجرة، ويسميه العلماء بذلك، قال العلماء: الجرجرة هي صوت وقوع الماء في الجوف، كما يطلق على صوت البعير عند الاجترار، إذن يطلق على صوت الشرب وصوت الأكل، يعنى ما يحدث من الصوت عند شرب الآدمي أو الحيوان أو الأكل نسميه جرجرة.
نارُ جهنم: هكذا يروى برفع نارُ، ويروى على النصب: نارَ، قال الزمخشري في هاتين الروايتين، وبين بشكل مفصل معنى موقع كل منهما، فقال: على الرفع يعرب لفظ نارُ: فاعلا مجازاً، وإلا فنارُ جهنم لا يُجرجِر في بطنه على الحقيقة، إنما جُعل -يعني في توجيه المعنى المجازي للجرجرة على هذا الإعراب- إنما جُعل جرع الإنسان للماء في هذه الأواني المنهي عنها من الذهب والفضة، واستحقاق العقاب على استعمالها، هو مثل جرجرة نار جهنم في جوفه، أي: أنه حينما يشرب الماء في هذه الآنية، فهو مستحق للعقاب تماما، كما يعاقب من يجرجر النار في جوفه فإنها تحرقه وتؤلمه، ويكون ذلك عقابا له، وهذا كله إنما هو على سبيل المجاز هنا؛ لأجل بيان الصورة، وبيان شناعة وقبح هذا العمل الذي يقوم به الشارب في آنية الذهب والفضة أو الآكل فيهما، هذا على الإعراب الأول وهو الرفع، قال أيضا: وذكّر الفعل (يُجرجِر) مع أن فاعله نار جهنم مؤنثة، فلم يقل "تجرر" لسببين، التعليل الاول: للقوع الفصل بينهما، بين النار وبين فعلها أي: بين الفعل والفاعل بشبه الجملة (في بطنه)، فرخص ذلك في أن يُعبِّر بالمذكر مع أن الفاعل مؤنث، أيضا هناك تعليل آخر: وهو أن تأنيث النار هنا؛ هو في حقيقة الأمر تأنيث مجازي وغير حقيقي.
الوجه الثاني في الإعراب: وهو نارَ على النصب، فرواية النصب عليها الأكثرون من الصحابة والرواة، وعلى هذا لا إشكال، لأنها مفعول به، ويكون الفاعل هو الشارب، أي: أن الشارب في إناء الفضة والذهب حينما يشرب فيهما، فإنه في حقيقة الأمر هو يجرجر في بطنه نارَ جهنم، ويكون المعنى على هذا الإعراب: كأنما يتجرُع نار جهنم عقابا له على مخالفته لتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم هنا، ولشربه في آنية منهي عن الشرب فيها، وقد ورد هذا المعنى "العقاب" بالأكل أو الشرب بما يتعلق بنار جهنم في قول الله عز وجل: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنّمَا يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}، فعندما يأكل هذا الإنسان مال اليتيم، فإنه في حقيقة الأمر وواقعه يأكل في بطنه نارا، ويتجرع في بطنه نارا عقابا له على هذا العمل الشنيع، وفي نفس الوقت تصويرٌ لهذا العمل للفرد المسلم بأبشع الصور، لأجل أن يتجنب هذا العمل ما أمكنه ذلك.
قال النووي رحمه الله تعالى: تعقيبا على هاتين الروايتين رواية الرفع ورواية النصب، قال: والنصب هو الصحيح المشهور الذي عليه الشارحون وأهل العرف واللغة وجزم بهذا الأزهري في تهذيب اللغة، وهي الأرجح.
جهنمَ: ما المراد بجهنم؟ جهنم اسم من أسماء النار أعاذنا الله جميعا منها، ولفظ جهنم لفظ: ممنوع من الصرف: للعلمية والتأنيث، إذ أنه من حيث العلمية: علم على طبقة من طبقات النار، وسميت بذلك -أي جهنم-: لبُعد قَعرِها، وقيل لغلظ أمرها في العذاب.
الأحكام الواردة في الحديثين النبويين الشريفين:
حديث حذيفة بن اليمان وحديث أم سلمة رضي الله عن الجميع وذلك، لأن كل منهما مكمل للآخر، ومؤكد للحكم الرئيس الذي يدور حوله هذا الحديث النبوي، وهذا الحديث يمكن استنباط عدد من الأحكام والفوائد منه على النحو التالي:
1: نقول في هاذين الحديثين، دلالة واضحة على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصِحافِهُمَا مطلقا، سواء كان إناء الذهب أو الفضة خالصا ذهبا أو فضة أو كان هذا الإناء مخلوطا من الذهب والفضة معا، فالحكم واحد في التحريم، لأنه يشمله مسمى إناء الذهب كما أنه يشمله مسمى إناء الفضة، قال النووي رحمه الله تعالى في بيان هذه القضية: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيهما، أي: أن إجماع العلماء رحمهم الله تعالى منعقد على تحريم الأكل والشرب في إنائي الذهب والفضة؛ لكن يعكر هذا الإجماع ما يلي، وقد أورده الإمام النووي بعد دعوى الإجماع السابقة قال: إلا رواية عن داود -ويعني به داود- إمام الظاهرية في تحريم الشرب فقط، فالإمام داود الظاهري ومن بعده الظاهرية يرون أن المحرم هو الشرب في آنية الفضة والذهب فقط، أما الأكل فيهما فليس محرما عندهم، لأنه ثبت عندهم ووصل إليهم الرواية الأولى: وهي رواية (الذي يشرب في إناءِ الفضة...)، أما رواية الأكل فإنها غير واردة لديهم وغير معلومة لديهم، فلهذا يقولون: إن المُحرَّم هو الشرب فقط، أما رواية الأكل فإنها غير واردة عندهم..

العرّاب
08-04-10, 04:09 AM
الحلقة الخامسة عشرة

(استكمالاً لأحكام حديث حذيفة وأُم سلمة رضي الله عنهما)
قال الإمام النووي، مضيفاً على هذا: "وقول قديم للشافعي والعراقيين أصحاب الرأي، فقالوا: بالكراهة دون التحريم، وقد رجع الشافعي عنه" وأما القول الجديد للشافعي وقول الأحناف من العراقيين على التحريم، فأصبح الأمر منعقداً، ويكاد يكون إجماعا ممن يعتبر إجماعه من أهل العلم في تحريم الأكل والشرب في آنيتي الذهب والفضة وصِحافهما.
بعض أهل العلم ممن قال بالكراهة دون التحريم، أجابوا على حديثي حذيفة وأم سلمة رضوان الله عليهما، فقالوا: بأن الحديثين إنما وردا للتزهيد وحث المسلم على الزهد والورع عن الأكل والشرب في هاتين الآنيتين، فهو مكروه وليس محرم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخِرة) يقولون لو كان الأمر للتحريم وليس للكراهة، لما قال صلى الله عليه وسلم: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة).
ونرد على هذا بما ورد في حديث أم سلمة رضي الله عنها من نص صارم ووعيد شديد على من أكل أو شرب في آنيتي الذهب والفضة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (فإنما يُجرجِر في بطنه نار جهنم)، وهذا ولا شك وعيد شديد، ولا يكون إلا على فعل أمر محرم، فهذا واضحة في الدلالة على تحريم هذا العمل، لشناعته وعظم الوعيد الوارد فيه.
الحكم الثاني: ذكر الشرب فقط دون الأكل في إحدى الروايتين، لحديث حذيفة وأم سلمة رضوان الله عليهما، يجعل الفرد منّا يتساءل، لماذا ورد الشرب فقط في هاتين الروايتين؟ ولماذا ذكر الشرب وحده دون الأكل؟ هذا التساؤل أجاب عنه العلماء بما يلي:
أولا: لأن أكثر استعمال الكفار والمشركين لآنيتي الذهب والفضة في الشرب بل وأكثر ما يستعملهما هؤلاء لشرب محرم من الخمر ونحوه، ولهذا انصب النهي من النبي صلى الله عليه وسلم على ما جرت به عادتهم، وعلى ما جرى به عملهم، كما عرف ذلك عن عموم الكفار والمشركين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقبله وبعده أنّهم يستخدمون آنيتي الذهب والفضة في الشرب فقط، وهذا طبعا في الغالب.
ثانيا: للتعبير بالأدنى عن الأعلى، فما دام يحرم الشرب في آنية الذهب والفضة فمن باب أولى يحرم الأكل، لأن الأكل يكون أغلظ وأكثر مصاحبة للإناء بخلاف الشرب، والأكل أعم وأعظم من الشرب، فبالتالي الرسول صلى الله عليه وسلم عندما ينهى عن الشرب فهو ينهى عن الأكل من باب أولى، وهذا دائما يحصل في النص النبوي التعبير عن الأدنى دون الأعلى.
الحكم الثالث: ذكر العلماء رحمهم الله تعالى عددا من العلل في النهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، قد يتساءل أحدنا فيقول يا ترى لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب في آنيتي الذهب والفضة؟ أو ما الحكمة التي لأجلها نهانا النبي صلى الله وعليه وسلم عن ذلك ؟ أجاب علماؤنا عن هذا التساؤل وذكروا عددا من العلل والأسباب والمبررات التي يُمكن استِنبَاطها من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر على أقوال:
القول الأول: قيل أن النهي عن ذلك؛ لما فيه من الخيلاء والتجبر وكسر قلوب الفقراء والمساكين، ولما فيه من السرف والتبذير، وهذه المعاني أو بعضها فقط يكفي للنهي عن الأكل والشرب في آنيتي الذهب والفضة.
القول الثاني: قيل بل النهي لكونِهِمَا ذهب وفضة، أي: أن السبب الرئيس للنهي لذاتهما، لكونهما ذهبا وفضة خالصين أو مخلوطين، ولماذا يكون ذلك سببا؟ قالوا: لأنه عندما يكثر استخدام الذهب والفضة في الآنية ونحوها، فإن الذهب والفضة يقلان ويندُران في الأسواق، ومعلوم أن الذهب والفضة يُسبك ويصك منهما العملات المتداولة من الدنانير والدراهم، فالدنانير تُصك من الذهب، والدراهم تصك من الفضة، وحينما يندر ويقل هذان النوعان فترتفع قيمتهما، وإذا ارتفعت قيمتهما انكسرت العملة المتداولة، بسبب قلتها وندرتها، فالمشترط في العملة المتداولة أن تكون متوفرة وأن تكون أسعارها معقولة ومتوسطة، فإذا ارتفعت قيمتها انكسرت العملة المتداولة كما يعبر بذلك الاقتصاديون.
القول الثالث: قيل إن النهي عن استعمال آنيتي الذهب والفضة، لما في هذا العمل من التشبه بأهل الجنة، حيث يطاف عليهم بأواني الذهب والفضة، كما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، وهذا الأمر منَاطٌ ومُعتبرٌ عند الشارع الحكيم، ويدلنا على هذا الأمر، أي: استخدام الذهب والفضة، ما ثبت في حديث بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأى رجلا مُتختِماً بخاتم من ذهب فقال له المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مالي أرى عليك حلية أهل الجنة)، فالرسول صلى الله عليه وسلم تساءل تساؤل الموبخ لهذا الرجل على لبسه لخاتم الذهب، وبرر هذا النهي بأنه حلية أهل الجنة، لذا فنحن معشر الرجال يحرُم علينا لبس خاتم الذهب، لماذا؟ لما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من سبب وهو أنه حُلية أهلُ الجنة، فما دام حلية أهل الجنة فالفرد المسلم في الحياة الدنيا ينبغي أن يتخفف من أمور النعيم المترفة من استخدام الذهب والفضة، لكي تكون له خالصة بإذن الله في الدار الآخرة.
القول الرابع: قال بعض أهل العلم إنما نُهِينًا عن استخدام آنية الذهب والفضة، وذلك لما فيهما من التشبه بالكفار والمشركين، وقد نُهينا عن التشبه بهم، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث في النهي عن التشبه بالكفار والمشركين، فيقولون: بأن نهي المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الأكل والشرب في آنيتي الذهب والفضة، لأن الكفار والمشركين أيضا يستخدمون هذه الآنية في الأكل والشرب، وينبغي على الفرد المسلم أن يكون له شخصية منفردة، وخصوصية معينة في جميع أحواله يتفرد بها ما أمكنه عن الكفار والمشركين، ويبتعد عن التشبه بهم، وما دام الكفار والمشركون معروفين باستخدامهم لهذه الآنية، فينبغي لنا الابتعاد عن ذلك، ويقول أصحاب هذا القول بأن في الحديث إشارة إلى هذا في حديث حذيفة رضي الله عنه في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) فقوله عليه الصلاة والسلام: "فإنها لهم"، يدلنا على أن العلة في النهي عن الأكل والشرب في آنيتي الذهب والفضة، أنها لهم أي: أنهم يستخدمونها ويستعملونها.
الحكم الرابع أن في هذين الحديثين نص على حرمة الأكل والشرب إذا كان الإناء ذهبا أو فضة خالصا أو مخلوطين، وقد ذكر النووي إجماع الأمة على ذلك، وأنه محرما لكن هناك أمر آخر وهو الشائع في الاستخدام ويكثر استعماله وهو موجود وبكثرة، وهو أن لا يكون إناء الذهب والفضة خالصا ولا مخلوطا منهما وإنما يكون مخلوطا بمعدنٍ آخر، أي الذهب والفضة يكون مخلوطا بمعدن آخر من النحاس أو الصفر أو غيره من المعادن، سواء الثمينة أو الرخيصة، وهذا يتصور في أمرين، أي جرت عادة الصناع والصاغة في خلط الذهب والفضة بغيرهما من المعادن بأمرين:
الأمر الاول: الطلاء، الأمر الثاني: التضبيب.
أولا الطلاء: ويكون بأن يؤتى بإناء من معدن، وليكن مثلا النحاس أو الحديد، ثم يطلى الإناء كله أو معظمه بمادة الذهب أو الفضة، فيلبس تلبيساً دقيقا عن طريق الصبغ والطلاء بمادة الذهب أو الفضة.
ثانيا التضبيب: وهو لا يكون طلاء، وإنما يكون عبارة عن توشية للإناء المعدني، فيكون فيه خيوط من الذهب أو الفضة على شكل تطريز، ويسمى عند الفقهاء تضبيب لهذه الآنية، وأيضا قضية أخرى في التضبيب: هي أن يكون الإناء مثلا من الخشب أو خزف أو نحوه، فينكسر فيؤتى بخيط رفيع سلك من الذهب أو الفضة ويخاط به الإناء، فيكون الإناء مخلوطا بشيء من الذهب والفضة.
حكم هذين القسمين:
أولا: حكم الإناء المطلي بالذهب أو الفضة هل يعتبر استخدامه محرما؟ فيلحق باستخدام الذهب والفضة أم أنه لا يعتبر محرما، فيكون له حكم الأصل أي حكم المعدن الذي طلي بالذهب أو الفضة ؟
قال العلماء: في الإناء المطلي بالذهب و الفضة (الطلاء) أنه لا يخلو حال الطلاء من أمرين:
الأمر الأول: إن كان الطلاء يمكن فصله، بحيث يكون له سماكة أو قشرة يمكن فصلها، فهذا محرم إجماعاً، لأن مستعمله يعتبر مستعملا للذهب والفضة، فكأنه استعمل الذهب والفضة، فحكمه حكم الأصل الذي هو استعمال الذهب والفضة، فيكون استعماله محرما.
الأمر الثاني: إذا كان الطِلاء لا يمكن فصله، بمعنى أنه إذا حككته لم يخرج منه شيء، أو وضعته على النار فلا يخرج منه ما يمكن أن يسمى ذهبا أو فضة فعلا، فهذا حكمه أنه لا يحرم، لأن مستعمله إنما يستعمل المعدن الآخر، وليس مستعملا للذهب والفضة، ولا شك أن الأولى اجتنابه لما فيه من التشبه بالأمر المحرم؛ لكن لا نقول أنه محرماً.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، في هذه المسألة، ما خلاصته -وقد ذكر هذا في مجلة اليمامة بعدد، 1333- قال: (الأواني المطلية بالذهب إن كان يجتمع من هذا الذهب شيئ إذا عرض على النار، فإن الطلي به محرم، لأنه أيّ: المستخدم لهذا، مستخدم للذهب، فحينئذ حينما يستخدمه يكون مستخدما للذهب، لأنه بني بطلاء غليظ وسميك إذا عُرض على النار أو حك وقشر، فإنه يخرج له قشرة)، وقال رحمه الله: (ويُرجع إلى أهلُ العُرف وهم الصاغة هنا، وأما إذا كان مجرد لون -بحيث أنه إذا حُكَ لا يخرج منه ما يسمى ذهبا أو فضة، إذا عرض على النار فإنه لا يخرج منه ما يمكن أن يسمى ذهبا أو فضة- قال: أما إذا كان مجرد لون فإنه لا بأس به أن يؤكل ويشرب به ولكن الأفضل والأولى تركه).

العرّاب
08-04-10, 04:09 AM
الحلقة السادسة عشرة

(استكمالاً لأحكام الحديثين السابقين)
التضبيب لا يخلو من أمران:
القسم الأول: إن كان كثيراً، فهو حرام عند جمهور العلماء، فقد يقول قائل: كيف نعرف الكثير من القليل؟ فنقول: كما أسلفنا عن الشيخ ابن عثيمين: يُرجع إلى أهل العرف وعادة الناس في هذا، والمختصون بهذا المجال من الصاغة المعروفين بصلاحهم وتقاهم، يسألون في هذا التضبيب هل يعد كثيراً أم قليلاً؟ فإن قالوا: أنه كثير فيلحق بالكثير، وإن قالوا: أنه قليل فيلحق بالقليل وهكذا.
إذاً إذا كان التضبيب بالذهب والفضة للإناء كثيرا، فهو حرام عند جمهور العلماء، لأن مستخدم الإناء المضبب بالذهب أو الفضة يعد في حقيقة الأمر وواقعه مستخدما لإناء الذهب والفضة الخالصين.
وأباحه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ولو كان كثيرا، ورد عنه وعن الأحناف بأنهم قالوا: إذا كان الإناء مضبب بالذهب والفضة، فإنه لا يكون حرام ويجوز استخدامه لماذا؟ ماهي شبهتهم في هذا؟ قالوا: لأنه أي: الذهب والفضة صارا تابعا للمباح، لأنه حينما يضبب بالذهب والفضة ولو كانا كثيرين فإنه يكون تابعا للمباح، قالوا: فأشبه المضبب اليسير، يقولون: أن المضبب اليسير والمضبب الكثير عندنا واحد، فهو مباح، وجائز، لأن مستخدم الإناء المضبب بالذهب والفضة كثيرا أو قليلا فإنه يعد في حقيقة الأمر وواقعه ليس مستخدما للذهب والفضة، وإنما هو مستخدم للإناء المصنوع من النحاس أو المَعدِن ونحو ذلك، هذا رأي الأحناف في هذه المسألة.
أما الجمهور، فرأيهم على خلاف ذلك فيرون تحريمه وذلك للنصوص النبوية الواردة في هذا المقام للنهي عن استخدام أواني الذهب والفضة، ويقولون: بأن مستخدم أواني الذهب والفضة المضببة كثيرا، يعتبر في الحقيقة مستخدِما للذهب والفضة، إذن فهو يلحق بالذهب والفضة فيكون استخدامه محرما.
وأجاب الجمهور عن ما ذكره الأحناف في هذه المسألة فقالوا بأن العلل الموجودة والتي ذكرناها سابقا، في حرمة استخدام أواني الذهب والفضة هي في حقيقة الأمر موجودة في استخدام المضبب بالذهب والفضة، ففي هذا العمل سرف وخيلاء، وكسر لقلوب الفقراء، وكسر للعملة المتداولة بين أفراد المجتمع، فأشبه بهذا استخدام الذهب والفضة الخالِصَين، لأنه كما هو المعلوم الحكم يدور حول علّته حيث دارت، فما دامت وجدت العلة، إذن يوجد الحكم، وهذه العلل موجودة في المضبب الكثير، إذن فيكون الحكم موجودا، وهو التحريم.
قالوا -من قبيل الإلزام للأحناف بالأخذ بما يراه الجهور- قالوا: تعليقا على قول (بأنه صار تابعا للمباح فصار مباح مثله)، قالوا: ويبطل، ما قاله الأحناف في هذا المقام، بما إذا اتخذ أبوابا من فضة أوذهب لبيته، فإن هذا يحرم إجماعاً ولو كان تابعا للمباح، هل يقول عاقل أن استعماله هذا جائز ولا شيء فيه؟! لأنه صار -استعمال الأبواب من الفضة أو الذهب- تابعا للمباح الذي هو السكن فيكون مباح مثله، طبعا لا يقول عاقل، فضلا أن يكون فقيه لا يقول بهذا القول، فإن استخدام أبواب الذهب والفضة محرمة باتفاق أهل العلم، هذا القسم الأول من المضبب.
القسم الثاني: وإن كان المضبب بالذهب والفضة قليلاً فهو مباح عند الجمهور، لأن مستخدمها لا يعد مستخدما للذهب والفضة.
لكن في المذهب وعند الحنابلة، وفي مذهب الإمام أحمد تفريق بين الأمرين -أي: بين الذهب والفضة- في مسألة التضبيب بالذهب القليل، قالوا: فالذهب غير مباح قليله وكثيره في التضبيب مطلقا، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك فحينئذ يكون مباحاً لوجود الضرورة، مثل أن يستخدم أنفاً من الذهب، فجرت عادتهم فيما إذا قطع أنف أحدهم بسبب من الأسباب فإنه يأتي بما شابهه من الذهب فيضعه تغطية للجسم المكشوف، وتجميلاً للوجه، وأيضا ما يتعلق برباط الأسنان إذا اقتضت الضرورة، بأن تربط الأسنان بسلك الذهب، فهذا يعد من التضبيب، وهو تضبيب قليل وهو مباح عند الحنابلة للضرورة إليه، هذا ما يتعلق بالذهب والتضبيب القليل منه في مذهب الحنابلة.
أما الفضة فيباح التضبيب القليل منها، ولو كان لغير ضرورة، بشرط أن يكون قليلاً، ولو لم يكن هناك ضرورة أو حاجة ملحة لهذا العمل، وقلنا بإباحة الفضة دون الذهب، لما عندنا من مستند نبوي، ونص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث، أنه ورد عنه في هذا المقام وذلك لما رواه البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله: (أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكَسر، فأتخذ مكان الشُعب سلسلة من فضة).
هذا أنس بن مالك رضي الله عنه حينما انكسر قدح النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان من الخشب جاء بسلك من الفضة وخاط به هذا الشُعب الذي حصل، بسبب سقوط الإناء، وقد أقره الصحابة على ذلك، ولم يعرف منهم من خالفه في هذا المعنى، فدل هذا دلالة واضحة على جواز التضبيب بالقليل من الفضة دون الذهب، أما الذهب فيبقى على التحريم إلا للضرورة.
الحكم الخامس: في هذين الحديثين دلالة على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة فقط، كما في الحديث "فإنما يجرجر في بطنه نار..." الحديث، والحديث الآخر"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة" الحديث، ورد في رواية لمسلم "ولا تأكلوا في صِحافهما"، فنص فيهما على الأكل والشرب في كلا الحديثين.
السؤال: الذي يطرح نفسه هنا، هو بقية الاستعمالات للأواني الذهب والفضة دون الأكل والشرب، ما حكم ذلك؟ وهل هو محرم مثل الأكل والشرب أم أنه مباح ولا شيء فيه ؟
ورد خلاف بين أهل العلم في هذه المسألة على النحو التالي:
القول الأول: وهو قول جماهير العلماء من سلف الأمة وخلفها، ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم، قالوا: بتحريم سائر الاستعمالات الأخرى لأواني الذهب والفضة قياساً على الأكل والشرب، فأواني الذهب والفضة كما أنه ورد النص النبوي في النهي عنها في الأكل والشرب، فيقاس على هذا سائر الاستعمالات الأخرى مثل: الطبخ فيها، والوضوء، والاغتسال منها، ومثل وضعُها تحفا في المنزل، وغيره مما يخطر على البال من استعمالات على شكل الأواني للذهب والفضة، فإن ذلك محرم قياسا على الأكل والشرب، فإذا كان الأكل والشرب محرم فيها فأيضا هو محرم في الاستعمالات الأخرى.
قال ابن قدامة رحمه الله تعالى في كتابه المغني: "ولا أعلم فيه خلافا بين أهل العلم في هذه المسألة"، هذا هو القول الأول، وهو قول الجماهير من أهل العلم وهو القول المشهور في هذا.
القول الثاني: نقول خالف بعض المتأخرين من أهل العلم الذين يعتبر بقولهم وتؤخذ آراؤهم مأخذ القبول خالفوا في هذا، فحينئذ يحسن ذكرهم والنص على أقوالهم، فقالوا: إن استخدام الذهب والفضة، إنما هو خاص في النص في الأكل والشرب، فحينئذ يقصر النص عليهما، وأما سائر الاستخدامات الأخرى، فإنها لم ترد في النص، فتبقى إذن على أصل الإباحة وتكون مباحة ولا شيء فيها.
فخلاصة القول: أن النص إنما ورد في الأكل والشرب فقط، وإلحاق سائر الاستعمالات بهما قياسٌ لا تتم فيه شرائط القياس، وقد أيد هذا القول الصنعاني في "سبل السلام"، والشوكاني في "نيل الأوطار".
أما الصنعاني فقال: "والحق ما ذهب إليه القائل بعدم تحريم غير الأكل والشرب فيهما، إذ هو الثابت بالنص، -يعني الأكل والشرب- ثابت بالنص ودعوى الإجماع، -يعني كأنه يرد على كلام ابن قدامة رحمه الله ودعوى الإجماع- غير صحيحة"، أما الشوكاني فقال: "والحاصل أن الأصلَ الحِلّ، فلا تثبت الحرمة إلا بدليل يُسلِّم به الخصم، ولا دليل في المقام بهذه الصفة، فالوقوف على ذلك الأصل المعتضد بالبراءة الأصلية هو وظيفة المُنصف"، إذن الشوكاني يقول الأصل في هذه المسألة هو الحل والإباحة، فحينئذ لا يمكن أن نقول بالتحريم ولا يثبت التحريم إلا بدليل، وهذا الدليل لا بد أن نسلمه، ويقولون: بأنه لا يوجد دليل في هذا المقام بهذه الصفة، فما دام الأمر كذلك، فنقف على الأصل، وأن الأصل في الأشياء الحل والإباحة.
فلاشك أن الراجح هو ما عليه جماهير العلماء وذلك لنص حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الواضح والوارد في هذه المسألة، والقياس جلي فيها، إذ أن العلل التي ذكرناها، العلل الأربع وغيرها مما يمكن استنباطه من العلل، كما أنها موجودة في استخدام آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب فهي أيضا موجودة في استخدام آنية الذهب والفضة في غيرها من الاستعمالات؛ بل قد يكون التحريم في هذه الاستعمالات أولى من التحريم في الأكل والشرب.
القائلون بعدم التعميم في هذه المسألة وأن الصواب التخصيص في الأكل والشرب، استدلوا: بما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها، يعني أيدوا قولهم هذا بما ورد عن أم سلمة رضي الله عنها أنه كان لديها إناء من ذهب فيه شعرات لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يستخدم للأكل والشرب، وإنما يستخدم لغيرهما، وقد استخدمته وأقرها صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك، فنقول بأن هذا الحديث صحيح وثابت، ولكن هذا الإناء الذي عندها هو في حقيقة الأمر وواقعهِ إنّما هو ملحق بأدوات الزينة وأواني الزينة، وأواني الزينة تماما هو مثل الزينة فإنه يكون كما هو معلوم حلال للنساء، وحرامٌ على الرجال، وهذا الإناء يعتبر من أدوات الزينة التي استخدمتها رضوان الله عليها في الكحل أو الطيب أو نحو ذلك، ولهذا ورد أنها كانت تضع الطيب فيه رضي الله عنها مع شعرات النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أن يزداد طيبا ورائحته تكون أزكى.
الفائدة السادسة: في هذا الحديث ذكر الذهب والفضة فقط، (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صِحافهما) فنصت على الذهب والفضة فحسب، أما غيرهما من سائر المعادن، فحينئذ يباح اتخاذه أو استعماله، سواء كان من المعادن النفيسة والثمينة كالياقوت العقيق والصفر، أو كانت هذه المعادن غير ثمينة، كالخشب والخزف والجلودِ ونحوها، كما قال ابن قدامة في المغني، وقال بذلك غيره من أهل العلم.
قال ابن قدامة: "ولا يكره استعمال شيء منها في قول عامة أهل العلم"، فعامة أهل العلم على أنه يجوز استخدام هذه المعادن ولاشيء في ذلك، والعلل الموجودة في حرمة الذهب والفضة، ليست موجودة في هذه المعادن.
خالف في هذه المسألة الإمام الشافعي في أحد قوليه فقال رحمه الله تعالى: "ما كان من المعادن ثمينا لنفاسة جوهره فهو محرم، لأن تحريم الأثمان -الذهب والفضة- تنبيه على تحريم ما هو أعلى منهما، لما في هذا من سرف وخيلاء، وكسر لقلوب الفقراء، فكان محرما كالأثمان" هذا القول الثاني: وهو للشافعي في أحد قوليه.
لكن الراجح بلا شك ما عليه قول الجمهور من جواز استخدام هذه المعادن، وأنها مباحة ولاشيء فيها وذلك لما يأتي:
أولاً: ما رواه البخاري، ومسلم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنهما قال: "أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخرجنا له ماء في تور من صُفر فتوضأ به"، فوضوء النبي صلى الله عليه وسلم، في إناء الصفر، دليل على إقراره لهذه المعادن وجواز استخدامها، والصُفر يجعلونه من المعادن النفيسة، وقد ذكره ابن قدامة من المعادن النفيسة في هذا حيث قال: "كالياقوت والعقيق والصُفر" فجعله منها، وأما قياسه على الأثمان، فلا يصح القياس، وذلك لوجهين اثنين:
الأول: أن هذه المعادن النفيسة لا يعرفها إلا خواص الناس، الياقوت والزبرجد، العقيق، الصُفر، فلا تنكسر قلوب الفقراء باستعماله ؛ بخلاف الأثمان.
الثاني: فإن هذه الجواهر لقلتها لا يحصل اتخاذ الآنية منها إلا نادراً، فلا تفضي إباحتها إلى اتخاذها واستعمالها بين الناس، إلا فيما ندر والنادر لا حكم له مطلقا، وبهذا يترجح لنا ما يراه جمهور العلماء من جواز استعمالها .

العرّاب
08-04-10, 04:09 AM
الحلقة السابعة عشرة

(هذه الحلقة خاصة بمصطلح الحديث) (5)
القسم الثاني: خبر الآحاد بالنسبة إلى حال طُرُقهِ من طرق إسناده، القسم الأول بالنسبة إلى عدد طرقه، والقسم الثاني بالنسبة إلى حال طرقه، فينقسم إلى ثلاثة أقسام:
1: الصحيح 2: الحسن 3: الضعيف
أول من صرح بهذا التقسيم هو الإمام الخطابي، وأما من قبله، فإنهم يقسمون خبر الآحاد بالنسبة إلى حال طرقه إلى قسمين:
1: الصحيح 2: الضعيف
قال الحافظ العراقي في كتابه (التقييد والإيضاح): "لم أرَ من سبق الخطابي إلى تقسيمه المذكور، وإن كان في كلام المتقدمين ذكرُ الحسن -يعني أن وصف الحديث بأنه حسن هذا وجد في كلام المتقدمين، لكن التقسيم الإصطلاحي له والتصريح بتقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام، لم يوجد إلا عند الأمام الخطابي رحمه الله تعالى- قال العراقي: وإن كان في كلام المتقدمين ذكرُ الحسن وهو موجود في كلام الشافعي، والبخاري، والترمذي وجماعة -هؤلاء الأئمة كانوا يذكرون الحسن في حكمهم على الأحاديث، ويقولون بأن هذا حديث حسن كما يقولون صحيح، ويصفون الثالث بأنه ضعيف، ولكن التصريح بالتقسيم أول من بدأ به هو الخطابي- قال العراقي: ولكن الخطابي نقل هذا التقسيم عن أهل الحديث، وهو إمام ثقة، فتبعه ابن الصلاح على ذلك -يعني ابن الخطابي قسم الحديث كما قدمنا من صحيح وحسن وضعيف، وقد استنبطه وأخذه من كلام الأئمة المتقدمين أمثال الشافعي والترمذي والبخاري رحمهم الله وتبعه من بعده ممن صنف في مصطلح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمثال ابن الصلاح ومن بعده الأئمة الحفاظ-.
1: الحديث الصحيح
(نُنبه): على أننا حينما نتحدث في الحديث الصحيح، إنما نتحدث عن الصحيح مجردا، أي: الصحيح لذاته، أي: الصحيح لإسناده هو، أما الصحيح لغيره أو لعدة عوامل أخرى فذلك له شأن آخر، وهو أي: الصحيح لغيره لايطلق عليه الصحيح مجردا، وإنما لابد من القيد، أما إذا قلنا الصحيح، فإنما نريد الأساس الذي هو الحديث الصحيح لذاته.

تعريف الحديث الصحيح:
لغة: صحيح على وزن فعيل، مثل: سليم وقديم، وهي صيغة مبالغة من الصحة، وهو ضد المكسور والسقيم، وهي ليست صحة مجردةٌ بل زائدةٌ، وإطلاق لفظ الصحيح: هو حقيقة في الأجسام، بخلاف المعاني؛ فإنه مجاز فيها؛ أي: الصحيح من الناحية اللغوية إذا وصف أي شيء فهو إما أن يكون على سبيل الحقيقة، وإما أن يكون على سبيل المجاز، فإذا كان وصف الصحيح للأجسام والذوات والأمور المرئيات والمحسوسات، فحينئذٍ يكون إطلاق لفظ الصحيح عليه إطلاقا حقيقيا، وأما إذا كان إطلاقه على المعاني؛ فإنه يكون مجازيا، وفي باب علم الحديث ومصطلحه: فإن إطلاق الصحيح إنما على المعاني فيكون هنا من باب المجاز.
اصطلاحا: له عدة تعريفات أهمها وأشهرها ثلاثه على حسب تدرج أصحابها وتقدمهم:
تعريف الإمام الخطابي: هو ما اتصل سنده وعُدّلت نقلته، فاشتمل تعريفه على اتصال السند والعدالة.
تعريف ابن الصلاح: هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط إلى مُنتهاه، ولا يكون شاذاً ولا مُعَلَلاً.
تعريف الحافظ ابن حجر: هو مارواه عدل، تام الضبط، متصل السند، غير مُعَلَل ولا شاذ.
أحسن هذه التعريفات: هو آخرها (تعريف ابن حجر) مع أنه قريب من تعريف ابن الصلاح، إلا أنه أدق عبارة و أكثر اختصارا، فكل كلمة فيه تحتاج إلى معنى وهي قيد بذاتها، فلا نستطيع حذف أي كلمة منها، أما تعريف الإمام الخطابي فإنه خلا من ثلاثة عناصر أساسية في تعريف الحديث الصحيح، وهي: 1. تمام الضبط 2. عدم الشذوذ 3. عدم العلة.
وهذا التعريف للحديث الصحيح لذاته، أما الحديث الصحيح لغيره له تعريف آخر.
نحتاج لشرح مفردات هذا التعريف المختار، وفي حقيقتها هي الشروط المتفق عليها للحديث الصحيح
تعريف ابن حجر هو:
1: مارواه عدل: العدل هو من الناحية الاصطلاحية وناحية علم الحديث: من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة، إذن كي تتحقق العدالة في الراوي لابد من أمرين: التقوى والمروءة.
التقوى: فعل المأمورات واجتناب المحظورات.
المروءة: وهي صفة نفسية قائمة في ذات المرءِ تحمله على التحلي بمحاسن الأخلاق وجميل العادات، وهي أمر زائد على التقوى، ويجب على طالب العلم والمحدث بالذات أن يكون متصفا بها، لكي يوصف بالعدالة، وتقبل روايته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مخرجات هذا التعريف أي محترزاته:
1: بهذا الاشتراط يخرج من صفة العدل مافي إسناده من عُرف بضعفه في دينه أو مروءته، بالتالي لايكون عدلا، ولا يكون الحديث الذي يرويه متصف بالصحة.
2: من جُهِلت عينه، أي: ذاته أوجهلت حاله، أي: صفته، فإنه لا يتحقق فيه الأمران. (هذا القيد الأول في هذه المسألة).
2: تمام الضبط: وهو كمال الحفظ واليقظة، ومعايير العلماء وموازينهم في هذا الشأن دقيقة جدا، وهي أدق من موازين الذهب والفضة والجواهر، فلا يجب فقط أن يكون حافظا لما يسمعُهُ ويؤديه، بل يجب أن يكون يقظا يعرف مضمون ومراد كل كلمة يقولها، وأيضاً يكون يقظا في روايته لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويكون يقظا في تأديته للآخرين فلا يقبل التلقين من مُلقن، ولا يقبل مفردات تُرمى عليه من تلميذ هنا أو هناك فيضيفها إلى النص.
الضابط: هو الحافظ اليقظ، غير المغفل، وغير الساهي والشاك، في حال التحمل والأداء.
والضبط نوعان:
1: ضبط الصدر: الذي يحفظ ما سمعه، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء.
2: ضبطُ السطر: ضبط الكتاب، بأن يصُون كتابه عن تطرق الخلل إليه من حين سمِعَ ما فيه إلى أن يؤديه إلى ما سمِعَهُ منه ممن دونه من تلاميذه من غير زيادة ولا نقصان.
و احترز وخرج بهذا الشرط وهو تمام الضبط، عما في سنده راو مغفل كثير الخطأ في روايته، وإن كان معروفا بالعدالة، فإنه لا يسمى ضابطا.
3: متصل السند: أن يكون كل راو من رواته قد سمع ممن فوقه من غير واسطة، -فلابد من اتصال السند ويكون هذا بالسماع، بأن يروي التلميذ عن شيخه، ثم بعد ذلك يروي عن هذا التلميذ تلميذه، ويكون قد سمع منه فيروي عنه من غير واسطة، فيكون اتصال السند- من أوله إلى مُنتهاه حتى يسلم من السقط، سواء كان إرسالا أو إعضالا أو انقطاعا، أوغير ذلك من المُسميات.
وبهذا القيد يخرج عدد من أنواع الأسانيد منها: المرسل والمنقطع والمعضل والمُدلَس، فإذا لم يتصل الإسناد في أي جزئية من سلسلة إسناده فإنه يعد منقطعاً ويخرج عن مسمى الحديث الصحيح.

العرّاب
08-04-10, 04:10 AM
الحلقة الثامنة عشرة

(أحكام الآنية ومايشرع فيها وما لا يشرع): وماهو طاهر، وماهو نجس، وفقا لكلام النبي صلى الله عليه وسلم
الحديث الثالث
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دُبِغ الإهاب فقد طَهُر"، أخرجه مسلم، قال: وعند الأربعة " أيُّمَا إهاب دُبِغ".

تخريج الحديث:
الرواية (1) (إذا دبغ الإهاب): أخرجها مسلم في صحيحه في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، و أبو داوود في سننه في كتاب اللباس بهذا اللفظ، وخارج الكتب الستة: أحمد في مسنده، و مالك في الموطأ.
الرواية (2) (أيُّما إهاب دبغ): رواها من أصحاب السنن الأربعة: الترمذي في سننه كتاب اللباس، وقال بعد سياقه لها: حديث حسنٌ صحيح، و النسائي في سننه في كتاب الفرع والعَتيرة، وابن ماجة في سُننه في كتاب اللباس، بقي أبو داوود لم نجدها عنده.
وهنا مسألة:
ففي كتاب بلوغ المرام نجد الإمام ابن حجر قال (رواه الأربعة) يقصد: أبي داوود معهم، ونحن إذا تتبعنا جميع النسخ الموجودة لسنن أبي داود نجد "الرواية الأولى فقط" فهل هذا يعني أن الإمام أخطأ؟ في هذه الحال لايجوز لنا أن نتسرع بالتخطئة، بل يجب أن نلتمس العذر لإمامنا، فنقول: أن لسنن أبي داود عدة نسخ مختلفة تناقلها تلاميذه عنه، فلعل ابن حجر عند تأليفه اطلع على نسخة فيها رواية (أيُّما)، أما نحن فمن أهم النسخ التي وردتنا من روايات سنن أبي داوود هي روايتي أبي علي اللؤلؤي، وأبي بكر ابن داسة.
أما نحن فالذي ورد إلينا كله باللفظ الأول: (إذا دبغ الإهاب).
كما رواها أيضا الإمام أحمد في مسنده في عدة مواضع، والإمام ابن حبان في صحيحه بهذا اللفظ: (أيُّما)
وهو حديث صحيح مادام أخرجه الإمام مسلم في إحدى روايته، فلا يحتاج إلى نظر في الإسناد فقد جاوز القنطرة كما يقول الأئمة.
ترجمة الراوي:
بحر هذه الأمة وحبرُهَا عبدالله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "اللهم فقه في الدين و علمه التأويل" ودعاء النبي مجاب، فحصل على هاتين الخصلتين، توفي الرسول صلى الله عليه وسلم وعمره 13 سنة، وقد روى عدداً كثيراً من الأحاديث، إما أنه رواها مباشرة عن النبي برؤيته وسماعه، أو عن الصحابة الآخرين لكنه لايذكرهم لأن الصحابة كلهم عدول، ورواية الصحابي عن الصحابي معروفة عند أهل العلم حتى وإن أسقطه وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، فإن هذا الحديث يعتبر حجة ويكون ثابتا، وهذا يسمى مرسل الصحابي، ومرسل الصحابة حجة باتفاق من يعد ويُعتبر بقوله من أهل العلم، وذلك لأن الصحابة كلهم عدول بتعديل الله عز وجل ورسوله لهم، وعرفوا كلهم بالضبط والإتقان لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام، توفي بالطائف سنة 68ه وقيل 71ه، وكان ذلك في آخر أيام عبدالله بن الزبير بعد أن كف بصره وكان عمره (70) سنة، له من الحديث في الدواوين والكتب 1660 حديثا، ويعتبر من المتوسطين في رواية الحديث، وأكثر أحاديثه ليست بطريق مباشر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن عن طريق الصحابة الآخرين.
أهم المفردات:
دبُغ: دبَغ الجِلدَ يدبَغُهُ، أي: وضع فيه دِباغا، وهو مثلث الباء، أي: أن الباء ترد فيها الحركات الإعرابية الثلاث: الفتح والضم والكسر، فتقول يدبَغه ويدبُغه ويدبِغه، والدباغ: هو المادة التي توضع على الجلد لتنظيفه وتطهيره وتختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة والأحوال، قال ابن منظور في كتابه (لسان العرب): "والدبّاغ هو محاول ذلك وحرفته الدِّباغة".
الإهاب: إهاب فعال على وزن كتاب، والإهاب في أصل اللغة: يطلق على الجلد مطلقا، ويجمع على أُهُب، واختلف في الإيهاب من الناحية اللغوية، وكلها تدور حول الجلد، وإنما الخصوصية في الاسم:
القول الأول: من العلماء من قال: يطلق على الجلد مطلقا، سواء دبغ أم لم يدبغ.
القول الثاني: قال الفيروز بادي في (القاموس المحيط): الإهاب هو ما لم يدبغ من الجلود، وقال أبو داوود في السنن: قال النضر بن شميل: (إنما يُسمى إهاباً ما لم يدبغ فإذا دُبغ الجلد، فلا يقال له إهاب، إنما يسمى شنا أو قرِبة).
والقول الثالث: رواه النضر بن شُميل: قال بعض أهل العلم: (إنما يقال إهاب لجلدِ ما يُؤكل لحمه فقط، أما ما لا يؤكل لحمه: كالسِباع ونحوها، فلا يقال له إهاب).
طَهُرَ: طَهَر: بفتح الطاء والهاء أو طَهُر: بفتح الطاء وضم الهاء، قالوا: وبكُلٍ وردت روايات هذا الحديث، أما معنى الطهارة: فهي ارتفاع حكم النجاسة عنه، و أصبح طاهرا ونظيفاً.

(ملاحظة): اختار ابن حجر الرواية المختصرة لهذا الحديث فهذه قاعدته في اختيار أحاديث بلوغ المرام، لأنه صنف هذا الكتاب لطلبة العلم ليحفظوه فلذلك اختار الروايات المختصرة.
سبب ورود الحديث:
روى الإمام مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه وغيرهما، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (تُصُدِّق على مولاة لميمونة بشاة فماتت، فمر بها -أي بالشاة الميتة-رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم بهِ" فقالوا: إنها ميتة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما حرُمَ أكلُهَا" فالذي حرمَ أكلها، وأما جلدها فصح أن ينتفعوا به.
بحث الأحكام
1-أن الدباغ يُطَهِّرُ جلد ميتة كل حيوان، وذلك لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم في الرواية الثانية: التي أخرجها الثلاثة وغيرهم "أيُّما إهاب....." فلفظ: " أيُّما" يفيد العموم، فيدل الحديث في روايته الأولى وروايته الثانية على طهورية جلد كل ميتة أياً كانت تلك الميتة عندما تُدبغ، ويدل على أن هذا الجلد يطهر باطنه و ظاهره.

العرّاب
08-04-10, 04:10 AM
الحلقة التاسعة عشرة

حديثنا الذي تكلمنا فيه نصه كالتالي
عن ابن عباس رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دٌبغ الإهاب فقد طَهُر)، هذا النص النبوي الشريف يستنبط منه حكم واحد ألا وهو أن الدباغ يطهر جلد كل حيوان، ولذلك لعموم كلمة "أيما إهاب" وأنه يطهر باطن الجلد وظاهره.
الخلاف في مسألة دباغ جلود الميتة هل يطهرها أم لا: ذكر الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم سبعة من هذه الأقوال:
القول الأول: يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا الكلب و الخنزير.
فكل أنواع الجلود تطهر إذا دبغت ويجوز استعمال ظاهرها وباطنها وغير ذلك من غير تخصيص، إلا هذين الجنسين (الكلب والخنزير) والمتولد منهما.
القائلين بهذا القول: إليه ذهب الإمام الشافعي، قال النووي: وهو مروي عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود رضوان الله عليهم.
أدلة أصحاب هذا القول: الدليل على طهارة جميع الجلود بالدباغ هو حديث (أيُّما إهاب دبغ).
ما الدليل على أن الكلب والخنزير لا يطهر جلدهما ولو دبغ ؟
الدليل فيما يتعلق بالخنزير، الآية من قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس) التي دلت على نجاسة الخنزير في ذاته، قالوا: والضمير في (فإنه) يعود إلى أقرب مذكور، وهو لفظ خنزير، أي أن الخنزير رجس، فحينئذ يكون نجس كله لحمه وشحمه وعظمه وجلده وغير ذلك، أما الكلب فيقاس على الخنزير، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر بالإناء الذي ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن أو إحداهن بالتراب.
القول الثاني: لا يطهر الدباغ شيئا من جلود الميتة، على عكس القول الأول.
القائلين بهذا القول: مذهب جمهور أهل العلم، وهو مروي عن عدد من الصحابة: منهم عمر بن الخطاب، وعائشة رضي الله عنهم، ومن التابعين الإمام مالك في إحدى الروايتين، والإمام أحمد في أشهر الروايتين عنه.
أدلة أصحاب هذا القول: ما رواه أصحاب السنن الأربعة وغيرهم، عن عبدالله بن عُكيم الجُهني قال (أتانا كتاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبل موته أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، وفي رواية لأبي داوود وأحمد (أتانا كتاب رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر)، أي قبيلة جهينة.
قال الإمام الترمذي بعد صياغته لهذا الحديث: وكان أحمد يذهب إليه ويقول هذا آخر الأمرين، ثم تركه.
القول الثالث: يطهُر بالدباغ جلد ميتتة مأكول اللحم و لا يطهُر غيره.
القائلين بهذا القول: مذهب الأئمة: الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور رحمة الله تعالى على الجميع.
أدلة أصحاب هذا القول: احتجوا بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الروايات قوله (دباغ الأديم ذكاتُه) وجه الدلالة: شبه الدباغ بالذكاة، قالوا: والذكاة المشبه بها لا يحل بها ما لا يؤكل اللحم، فكذلك إذن المشبه وهو الأديم فلا يطهر جلده بالدباغ، فكما لا يحل أكل غير مأكول اللحم بالذكاة، فكذلك أديمه لا يحل استخدامه ولو بعد دباغته.
القول الرابع: يطهر بالدباغ جميع جلود الميتات إلاَّ الخنزير، وهذا القول مشابه للقول الأول، إلا أن هنا، فقد استثني الخنزير فقط، والقائلين بهذا القول: مذهب الإمام أبو حنيفة.
أدلة أصحاب هذا القول: استدل بالإضافة إلى الآية الدالة على نجاسة الخنزير، استدل أيضاً بأن الخنزير لا جلد له.
القول الخامس: يُطَهِّرُ الدباغ جميع أنواع الميتات، سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم، إلا الكلب والخنزير، إلا أن الدباغ يطهر ظاهره دون باطنه، وهذا الفرق بين القول الأول وبين هذا القول، فحينئذ لا ينتفع فيه بالمائعات، فلا يحمل به المائعات من الماء واللبن وغيره، ولكن يحمل به اليابسات بأنواعها مثل البر والشعير والأقُط ونحو ذل.
القائلين بهذا القول: الإمام مالك في الرواية المشهورة عنه، و الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه.
أدلة أصحاب هذا القول: محاولة الجمع بين الأدلة لأصحاب الدليل الأول وهو حديث الباب (إذا دبغ الإهاب فقد طهر)، والدليل الثاني حديث عبدالله بن عُكيم: (أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، فذاك يقول بالحل وهذا يقول بالحرمة، يقولون فنجمع بين الحديثين، وبين الدليلين بهذا الوجه:
أولا ً: 1.(أيما إهاب دُبغ فقد طَهُر)، أي: طهر ظاهره دون باطنه، فنحمل عموم الحديث على ظاهر الجلد، فنقول أنه يطهر بالدباغة.
2. حديث (أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، أي: لا تنتفعوا بالباطن ذلك الجلد دون ظاهره.
ثانيا: - قالوا أن الدليل تعليل و توجيه وهو: أن المائعات كالماء والحليب تتأثر بجزئيات الجلد، أما اليابسات فلا تتأثر بجزئياته.
القول السادس: يَطهُر بالدباغ جميع أنواع الجلود، وكذا الكلب و الخنزير، ويطهر ظاهر الجلد وباطنه، فإذن هذا عام، ويطهر جلد جميع الميتات، ولو كان جلد هذه الميتة جلد كلب أو خنزير (إذن هذا عام).
القائلين بهذا القول: (قال الإمام النووي: وهو مذهب الظاهرية) وحُكي عن الإمام أبي يوسف من الأحناف.
أدلة القائلين بهذا القول: لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم تُفَرّق، والرسول صلى الله عليه وسلم لم يستثنِ خنزير أو كلب ولم يخصص ظاهر دون باطن، فأخذوا بظاهر الحديث والنص واضح وظاهر بيّن، فيطهر بالدباغ جميع أنواع الميتات مطلقا حتى الكلب والخنزير.
القول السابع: ينتفع بجلود الميتة مطلقا وإن لم تدبغ، ويجوز استخدامه في المائعات وغيرها، يعني لا تشترط الدباغ على عكس القول السادس حين قيدوه بالدباغ أسوة ً بالأقوال الخمسة الأولى.
القائلين بهذا القول: قال الإمام النووي: وهو مذهب الإمام الزُهري.
أدلة أصحاب هذا القول: أُستدل له بحديث، شاة ميمونة ولم يرو عن الإمام الزهري ذكر دليل وهو لم يصرح بدليل، وإنما أُستدل له بهذا الحديث، فالنص الوارد بحديث شاة ميمونة ليس فيه ذكر للدباغة.

الراجح من هذه الأقوال
أصحاب القول الأول: وهو قول من قال بأنه يطهر بالدباغ جميع أنواع جلود الميتات إلا الكلب والخنزير وذلك لنجاستهما.
مبررات الترجيح
أولا: لقوة أدلتهم و صراحتها ووضوحها في هذا المقام، فهي أدله قوية من كتاب الله عز وجل يبين نجاسة لحم الخنزير، ومن سنة المصطفى دليل ثابت وصحيح يبين نجاسة الكلب وأنَّهُ لابد من تطهير الإناء الذي ولغ فيه ليست مرة أو اثنتان بل سبعاً إحداها بالتراب، وأيضاً حديث الباب واضح وصريح في هذا المسألة (إذا دبغ الإهاب) فهو عام لجميع الأُهُب و(أيُّما إهاب دبغ) والاستثناء واضح وبيّن لدلالة النجاسة في القرآن الكريم والسنة المطهرة.
ثانياً: لإمكان الرد والإجابة على أدلة أصحاب الأقوال الأخرى، فنحتاج إلى رد وإجابة على كل دليل من أدلة أصحاب الأقوال الستة الأخرى.
وحديث ابن عُكيم هو عمدةُ أدلة القائلين بالقول الثاني: بأنه لا يُطَهِّر الدِباغ شيئاً من جلود الميتات.

العرّاب
08-04-10, 04:10 AM
الحلقة العشرون

ذكرت لكم أقوال أهل العلم السبعة فيما يتعلق بجلود الميتة وطهارتها أو عدم طهارتها، وذكرنا عمدة القول الثاني في هذه المسألة، وقول من قال: إنه لا يطهر الدباغ شيء من جلود الميتة اعتمدوا على حديث عبدالله بن عُكيم، ونجيب على هذا الحديث بعدة أجوبة وتلخيصها في ثلاثة أمور:
1: اضطراب هذا الحديث: هذا الحديث مضطرب في سنده: فإنه روي تارة عن كتاب النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، وتارة عن مشايخ من جُهينة عن من قرأ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فمرة يرويه مباشرة عن كتاب رسول الله، ومرة يرويه عن مشايخ من جهينة عمن قرأ كتاب رسول الله.
-وهو أيضاً مُضطرب في متنه: فروي من غير تقييد مطلقا (أتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ألا تنتفعوا من الميتة من غير إهاب ولا عصب) من غير تقييد بمدة البتة، وهذه رواية الأكثر أنه بغير تقييد بمدة، وروي بالتقييد بشهر، وأيضا شهرين، وأربعين يوماً، وثلاثة أيام، خمس روايات بالتقييد، (أتاني كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر) وفي رواية (قبل موته بشهرين) وفي رواية (قبل موته بأربعين يوما) وفي (رواية بثلاث)، فهو مضطرب في متنه مرة كذا، ومرة كذا، ولا شك بأن الاضطراب في الإسناد أو المتن مضعفٌ للحديث.
-ثم إنه قد أعله بعض أهل العلم معل في إسناده، مُعلٌ بالإرسال، فإنه لم يسمعه عبدالله بن عُكيم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلالة الرواية التي سقناها، الرواية التي ورد فيها عبد الله بن عُكيم هذا الحديث عن مشايخ من جُهينة عمن قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يروي عن مشايخ من جهينة، فهو إذن لم يسمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، كما أنه معلٌ بالانقطاع، لأنه لم يسمعه عبد الرحمن بن أبي ليلى من عبدالله بن عُكيم.
إذن هو مضطرب في سنده، ومضطرب في متنه، ومعلٌ بالإرسال، ومعلٌ بالإنقطاع، فهو داخل تحت حكم الحديث الضعيف، ولا يدخل في هذا السرد ولا البيان في الأحاديث الثابتة والتي تكون حجة، لذلك الإمام أحمد رجع عنه آخر الأمر، وكان يذهب إليه أولاً ثم رجع عنه، كما قال الترمذي.
2: بأن هذا الحديث لا يقوى على النسخ، واضح وبين أن أصحاب القول الثاني يقولون: بأن حديث عبد الله بن عكيم، هو ناسخ لحديث عبدالله بن عباس (إذا دبغ الإيهاب فقد طهر) لماذا؟ لأنهم يقولون متأخر فهو ناسخ للمتقدم، إن هذا الحديث حديث ابن عُكيم لا يقوى على النسخ من عدة وجوه:
لأن حديث الدباغ أصح، فإنه ممن اتفق على أصله الشيخان، ذلك في قصة شاة ميمونة التي هي أصل حديث الباب، فهي رواية متفق عليها، كما رواه عن عدد من الصحابة: عبد الله بن عباس، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسلمة بن المحبب وعائشة وغيرهم، أما روايتنا هنا ليست من المتفق عليه، وإنما أخرج بروايته الأولى الإمام مسلم في صحيحه كما بينت في التخريج.
ومن ناحية أخرى: لكي يتحقق النسخ فلابد من معرفة آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في هذا المقام لانعرف يقيناً، ما هو آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل هو ما ورد في حديث عبدالله بن عباس أم ما ورد في حديث عبد الله بن عُكيم، فلسنا متيقنين على أن آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما ورد في حديث عبدالله بن عُكيم على فرض صحته وثبوته وعلى فرض أنه يؤخذ منه الأحكام ويُعد حجة.
وما ورد من روايات في التقييد بشهر أو شهرين فنقول: إن هذه الروايات معلة بالاضطراب فيها، فقد وردت بروايات عدة في التوقيت: مرة بشهر، ومرة بشهرين، ومرة أربعين يوما، ومرة ثلاث ليال، فهناك أربع روايات أو أكثر في هذا الحديث، فإذن هو مضطرب ولا تقوم على هذه الروايات المضطربة حجة النسخ، هذا على افتراض أن تكون هذه الرواية التي ذكروها صحيحة.
وحتى لو افترضنا بصحة ما ورد من أقوى الروايات في هذا الحديث التي هي: (أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بشهر)، فلو سلمنا بهذه الرواية، وسلمنا بأنها رواية ثابتة، وأنها حجة، ما أدرانا أن هذا هو آخر الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم، يحتمل وهو وارد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مر على شاة ميمونة قبل وفاته بعشرين يوما؛ فتكون قصة شاة ميمونة متأخرة عن قصة عبدالله بن عُكيم، فتكون ناسخة لها، هذا الوجه الثاني وجه النسخ.
قد يقال من بعض محرري المذاهب أنه إذا لم يتم النسخ فإنه يتعارض الحديثان (عبدالله بن عُكيم وعبد الله بن عباس)، ومع التعارض نرجع إلى الترجيح أو الوقف، فهذا أمر لا يصح، وعرض غير وارد، لماذا ؟ لأن التعارض التي تنطبق عليه هذه القاعدة الأصولية وهذا الكلام الأصولي، هذا وارد فيما إذا كانت الروايتان متساويتان من حيث الصحة، ومن حيث الثبوت، ولا يمكن الجمع بينهما، فحينئذ نقول مثل ما تقولون تعارضتا فتسقاطتا فيرجع إلى الحكم الأصلي والتوقف في هذه المسألة، لكن هنا بخلاف ذلك، فالروايتان ليستا متساويتان من حيث الصحة مطلقا، إذ أن حديث عبدالله بن العباس في الذروة من الصحة، وحديث عبدالله ابن عُكيم واضح وظاهر عليه الضعف.
3: فيما يتعلق بلفظ الإيهاب كما أسلفنا في المفردات يحتمل أمرين:
1: يطلق على ما لم يُدبغ من الجلود، كما قدمنا عن النظر بن شُميل، وهو من أئمة اللغة المعروفين والمشهورين.
2: ويطلق على الجلود مطلقا سواءً دبغت أم لم تدبغ.
مادام الايهاب يحتمل الأمرين، وورد عندنا حديثان في صورة الحديثين المتعارضين، حينئذ لا مانع مطلقا أن نجمع بين الحديثين، بأن حديث ابن عباس أنه: "إذا دبغ الإيهاب فقد طهر" فيقصد به الإيهاب بعد الدباغة، فهو يسمى: إيهاباً على قول ما قاله أهل اللغة، فحينئذ يحمل عليه القول الأول.
وأما القول الثاني: ما يتعلق في تفسير الإيهاب وهو الجلد قبل دباغته، فنحمل عليه حديث عبد الله بن عكيم "أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" فالمراد بالإهاب هنا الجلد قبل دباغته، وفي حديث ابن عباس يقصد به الجلد مطلقا، فحينئذ يتوجه الحديثان وأصحاب القول الأول يأخذون بالحديثين ويقولون بهما معا.

والرد على القول الثالث: وهو قول من قال يطهر بالدباغة جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، مستدلين بحديث (دباغ الأديم ذكاته)، في الرد على هذا القول على فرض صحة سند هذه الرواية: (دباغ الأديم ذكاته)، فإن ما ذكر من وجه الشبه بينهما بين الذكاة وبين الدباغة غير صحيح، لماذا غير صحيح ؟ بدلالة حديث ابن عباس، واضح في العموم (أيُّما إيهاب دُبغ فقد طهر)، فلم يُفصل في هذا النص، حيوان مأكول اللحم أم حيوان غير مأكول اللحم.
والصحيح في توجيه هذا الحديث أن يقال: أن دباغ الأديم مشابه للذكاة بجامع التطهير في كل منهما، فكما أن الذكاة تطهر اللحم وتنقيه من الدم وتجعله صالحا للأكل، فكذلك الدِباغ يُطهر الجلد وينقيه من الأوساخ ويجعله صالحاً للاستعمال.
كما يمكن الرد على هذا القول الذي يفرق بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم بأن الأحاديث الواردة في هذا حديث عبدالله بن عباس وغيره عامة في مأكول اللحم وفي غير مأكول اللحم، والعام لا يقصر على سببه مطلقا، ولا يلزم من التشبيه أن يتوافق المشبَّه والمُشبَّه به في كل شيء، وإنما يتوافقان في جزئية فقط، أما أن يتوافقا في كل شيء فهذا غير وارد.

الإجابة على القول الرابع: وهو قول أبي حنيفة يُطَهِر الدباغ جميع جلود الميتة إلا الخنزير، فيجاب عليه من ناحيتين: أننا متفقون مع الإمام أبو حنيفة في استثناء الخنزير، لكن قد نختلف من ناحية التوجيه، وهو أنه قال: إن الخنزير لا جلد له، نعم في حقيقة الأمر أن الخنزير له جلد ولكنه شفاف ورقيق جدا، لذا يستخدم في بعض الأمور المعينة عند من يبيح الخنزير من اليهود والنصارى وغيرهم؛ لكن القضية فيما يتعلق في جلد الكلب إنه نجس مثل جلد الخنزير سواء بسواء، فجلد الخنزير نجس بدلالة صريح القرآن، وجلد الكلب أيضا نجس بدلالة صريح السنة، فاستثناء الخنزير والكلب معا هو الأصح والأسلم إن شاء الله.

الإجابة على القول الخامس: قول من قال يطهر الجميع دون الكلب والخنزير ولكن يطهر ظاهر الجلد دون باطنه فيستخدم في اليابسات دون المائعات مستدلين بدليلين:
1: محاولة الجمع بين الأدلة 2: وهو اجتهادي بالقول: أن المائعات تتأثر بجزئيات الجلد.
في الإجابة على هذا أما استدلالهم في محاولة الجمع بين الأدلة، فنقول أنه تبين لنا واتضح بأن حديث ابن عُكيم لا يحتج به لضعفه، ولا يعارض الحديث الثابت والصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث ابن عباس، فيؤخذ بحديث ابن عباس في العموم، ويترك حديث ابن عُكيم، كما محاولة الجمع الذي ذكروها غير واردة، فقد أمكن الجمع بين الحديثين على وجه جلي وواضح وبين، أما القول بأنه يستخدم في الجامدات دون المائعات وأن المائعات تتأثر بالجزئيات فهذا كما هو واضح: اجتهاد، ونظر عقلي، ولا يصح الاجتهاد والنظر العقلي المجرد مع وجود النص، وهو حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
الرد على القول السادس وهو قول من قال: يطهر بالدباغ الجميع، وكذا الكلب والخنزير ظاهر وباطن، فنقول بإن هذا كلام غير صحيح وغير وارد، فالكلب والخنزير نجسان نجاسة مغلظة، فبالتالي يكون جميع جزئياتهما نجسة، فما دام سؤر الكلب وكذا الخنزير نجس، فمن باب أولى أن تكون ذاته أيضا نجسة، فالعمدة على قول الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ورد في صريح القرآن وفي صريح السنة في هذا المقام.

الإجابة على القول السابع: وهو ما اختاره الإمام الزهري من أنه ينتفع بجلد الميتة مطلقا وإن لم يدبغ فهذا أمر غير وارد، وقد جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مفصلة هذا المقام، ومخصصة لعموم الرواية التي وردت في قصة الشاة، فيعتذر للإمام الزهري؛ لعله لم يبلغه بقية الروايات التي وردت في هذا الحديث التي نص فيها على الدباغة، وهذا أمر طبيعي أن يركن إلى رواية ويستدل بها، وتخفى عنه روايات كثيرة آخرى، وبهذا يترجح لنا القول الأول ويتبين صحته.

(الحديث الرابع)
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إنَّا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تأكلوا فيها، إلا أن لا تجدوا غيرها، فاغسلوها، وكلوا فيها)) "متفق عليه"

تخريج هذا الحديث:
هو متفق عليه، فهو في الذروة من الصحة، كما هو بين، فرواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الذبائح، وروه مسلم في كتاب الصيد، ورواه الترمذي في سننه في كتاب الأطعمة، ورواه ابن ماجة في سننه في كتاب الصيد، ورواه الدارِمي في سننه في كتاب السير، ورواه الإمام أحمد في مسنده في مسند أبي ثعلبة الخشني، فرواه خمسة من أصحاب الكتب الستة، بالإضافة إلى الإمام أحمد، لكن يجدر التنبيه إلى أن هذه اللفظة بعينها: (إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال صلى الله عليه وسلم لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها) هذه اللفظة بعينها ليست موجودة بهذا النص عند من قدمنا من المخرجين، وإنما وجدت عبارات مشابهة لها، فأقرب الألفاظ إليها هي رواية الإمام البخاري عن أبي ثعلبة (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض قوم أهل الكتاب، نأكل في آنيتهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن وجدتم غيرَ آنيتهم فلاتأكلوها، وإن لم تجدوا فاغسلوها ثم كلوا فيها)) نلاحظ التشابه بين الروايتين، ولكن لا يوجد تطابق بينهما.

العرّاب
08-04-10, 04:11 AM
الحلقة الحادية والعشرون

(هذه الحلقة خاصةٌ بمصطلح الحديث) (6)
(استكمال شرح محترزات الحديث الصحيح)

4: غير معلل: وهو اشترط لكي يكون صحيحاً ألا يكون الحديث معلل، والمُعلّل كما ذكر أهل العلم: الذي يوجد فيه عِلّة، والعلة تكون في الغالب في الإسناد والعلة عند علماء مصطلح الحديث: هي سبب خفي غامض يقدح في صحة الإسناد مع أن ظاهره السلامة منها، فبالنظر: إلى الحديث من حيث رجاله وإسناده الظاهر، تجده سليم، وليس فيه علة ظاهرة، ولكن عند النظر العميق في رجاله، أو في طرق التحمل أو الأداء أو السماع أو نحو ذلك، تجد فيه سبب خفي غامض، وهذا السبب الغامض يقدح في صحة الإسناد فهذا ما يسمى عِلّة، ومن أوضح الأمثلة فيما يتعلق بالعِلّة الخفية: بعض أنواع التدليس التي ذكرها علماء الحديث: فهو يعتبر من أقوى الأمثلة للحديث المعلول.
5: ولا شاذ: ألا يكون الحديث فيه شذوذاً في متنه، لأن الشذوذ يكون في الغالب في المتن، والعلة الغالب تكون في الإسناد.
والشذوذ في المتن: هو أن يخالف في متنه الثقة رواية من هو أوثق منه، أو يخالف رواية من يماثله في الثقة، ولكن أي: هذا المُماثل يماثله في درجة في الثقة، ويزيد عليه في عدد الرواة، فإذا كان الأمر كذلك بأن خالف الراوي الثقة من هو أوثق منه، أو خالف ثقة مثله ولكن عدد رواته أكثر، فإن حديث ذلك يكون ويعد شاذاً، وبهذا لا يكون الحديث صحيحا.
ومن الأمثلة التي ذكرها العلماء لشاذ المتن والرواية:
مثالا: ما ورد في زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ميمونة رضي الله عنها، فقد ورد في الحديث عنها، وعن أبي رافع أيضا، كلاهما رويا حديث زواج النبي صلى الله عليه وسلم من ميمونة "بأن النبي تزوجها وهو حلال أي في الحِل" أي: أنه غير مُحرِم، وورد في رواية ثانية من حديث ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو مُحرِم".
وعند النظر في أسانيد الروايات الثلاث رواية ميمونة وأبي رافع من جهة، ورواية ابن عباس من جهة أخرى نجد رواتها كلهم ثقات، وأسانيدهم متصلة، إذا كان الأمر كذلك فلا بد من تفضيل وتقديم بعض هذه الروايات على بعض؛ نظرا لتعارضها الواضح والصريح الذي لا يمكن تأويله أو الجمع بينها، فرواية أبي رافع تقول: "إن النبي تزوجها وهو في الحل"، ورواية ابن عباس"تزوجها وهو محرم" فما الصحيح؟
إن رواية ابن عباس شاذة، وذلك لمخالفتها (روايتي ميمونة وأبي رافع)، إن وافق الثقة من هو مثله في الموثوقية، ولكن الرواة في الرواية الأولى يزيدون عن الرواة في الرواية الثانية، فالرواية الأولى وردت من طريقين عن صحابيين جليلين، وإسناد كل منهما ثقة؛ بخلاف رواية ابن عباس وردت من طريق واحد، طريق عبدالله بن عباس، ورواتها ثقات أيضاً، ولكنهم أقل عددا من رواة حديث ميمونة وأبي رافع، وهذا مثال يذكره العلماء فيما يتعلق في تعريف الحديث الشاذ
شروط للحديث الصحيح كما ذكرها العلماء:
اتفقوا على ضرورة وجوده في الحديث الصحيح بإسناده ومتنه، كي يعد حديثاً صحيحاً، كما أنهم ذكروا شروطاً مُختلفاً فيها بين أهل العلم، فبعضهم يذكر هذه الشروط كشرط لكي يكون الحديث صحيحا، وبعضهم لا يشترطها وإنما يُدخلها في الشروط المتفق عليها.
وهذه الشروط المتفق عليها خمسة وهي أركان تعريف الحديث الصحيح:
1: أن يكون الراوي عدلا
2: أن يكون الراوي تام الضبط
3: أن يكون الإسناد مُتصلاً
4: أن يكون خالياً من العلة
5: أن يكون خالياً من الشذوذ، هذه شروط الصحيح المتفق عليها.
شروط الصحيح المختلف فيها ذكر العلماء عدد من الشروط المختلف فيها وهي أربعة:
1: أن يكون الراوي مشهوراً بالطلب، هذا الشرط ذكره الحاكم في كتابه الجليل "معرفة علوم الحديث" قال: "كما يشترط في الحديث الصحيح أن يكون راويه مشهورا بالطلب" والمقصود بالطلب أي طلب علم الحديث، ويشترط الحاكم براوي الحديث كي يكون حديثه صحيحاً أن يكون مشهوراً، وأن يكون معروفاً بين طلبة العلم، ومعروفاً بين رواة حديث رسول الله ومشتهراً بينهم، وواضح من خلال بيان الشرط أنه ليس مراده المعرفة والشهرة المخرجة من الجهالة، سواء كانت جهالة العين أو الحال، فمراده بالمشهور بطلب الحديث قدر زائد عن ما يُخرجُهُ عن الجهالة بأن يكون مشهور بين طلبة العلم، أما إذا لم يكن مشتهراً بين طلبة العلم أو غير معروف، بل كان مغمورا، وإن عرف بالعدالة والصلاح والضبط، فالحاكم يرى ألا يصل حديثه درجة الصحيح، لكن هذا الشرط لم يوافقه فيه علماء مصطلح الحديث الآخرون، بل أجابوا عنه، وقالوا إن هذا شرط زائد على شروط الصحيح، وأجابوا وقالوا إن اشتراط كمال الضبط يُغني عن هذا الشرط، فما دمنا اشترطنا كمال الضبط في الراوي، فهذا يُغني عن اشتراط الشُهرة، إذ أن المقصود من اشتراط الشُهرة لكي يكون للراوي مزيد عناية لتركن النفس إليه، وحينما نشترط كمال الضبط، فهو كافي في ذلك ولا يحتاج أن يكون راوي الحديث مشهوراً بطلب العلم.
2: من العلماء من يشترط عِلم الراوي بمعاني الحديث، كي يكون الحديث صحيحاً لابد أن يكون الراوي له عارفاً بمعانيه، قالوا: وهذا الشرط إنما يتحتم عندما يروي الحديث بالمعنى، فإذا روى الراوي الحديث بالمعنى مقابلة للروايات الأخرى التي وردت، حينئذ نشترط بالراوي أن يكون عارف وملم بعلم معاني حديث رسول الله، وهذا الشرط لم يقبله أكثر علماء الحديث ومصطلحه، وأجابوا وأن هذا الشرط لابد منه، فلابد للراوي أن يكون عارف للعربية ومعانيها، لكن هذا الشرط الذي ذكرتمُوه داخل في الشروط المتفق عليها وهو كمال الضبط.
3: بعض العلماء اشترط فقه الراوي (أي مُلِم بِعِلم الفقه)، ولكن العلماء لم يوافقوا على ذلك فقد قال الحافظ ابن حجر: والظاهر أن ذلك إنما يُشترط عند المخالفة، أو عند الثقة وبما تعُم به البلوى، يعني أن اشتراط أن يكون الراوي فقيهاً حينما يتعارض حديثان في مضمون فقهي معين، فحينئذ إذا كان الراوي لأحد الحديثين أفقه من الراوي الآخر فهذا معضد في تقديم أحد الحديثين على الآخر، أو بما تعم به البلوى من الأمور التي وردت فيها مرويات، فلابد أن يكون الراوي فقيها، لكي يعرف أن هذا الأمر الذي عم به بلوى الناس، هو عينه مراد رسول الله من الحديث الذي رواه.
4: هو من أهم قضايا الخلاف فيما يتعلق بشروط الحديث الصحيح: أن بعض أهل العلم اشترط لكي يكون حديثاً صحيحاً عدد معين، فلم يكتفِ برواية واحد فيه، إنما اشترطوا عدد معين من الرواة للحديث وإسناده ورجاله في كل طبقة، لكي يكون الحديث عندهم صحيحاً، وحجتهم في هذا قالوا: بأن الرواية مثل الشهادة، وكما أن الشهادة لابد أن يكون فيها أكثر من واحد؛ اثنان أو ثلاثة أو أربعة بحسب اختلاف القضايا؛ وبحسب أنواع الشهود، قالوا فكذلك إذن ما دامت الرواية مثل الشهادة وقد اشترط في الشهادة العدد فكذلك الرواية لابد أن يكون عددا محددا، ولا تكفي رواية واحد، ثم اختلفوا في العدد المطلوب في إسناد الحديث لكي يكون هذا الحديث صحيحاً فالحاكم والعربي وابن الأثير وغيرهم اشترطوا لصحة الحديث أن يكون رواة الحديث في كل طبقة اثنان، فاثنان، فاثنان، فأكثر إلى نهاية السند، فإذا توفر هذا الشرط اعتبرنا الحديث صحيح، أما إذا لم يكن في طبقة من طبقات الإسناد إلا راوي واحد فقط، فإن هذا الحديث لا يعد عندنا صحيحا ولا يتوفر فيه شروط الحديث الصحيح.
أيضا قول آخر لبعض أهل العلم، فقد نقل أبو منصور البغدادي: أن بعضهم اشترط في قبول الخبر أن يرويه ثلاثة عن ثلاثة، بل بعضهم اشترط أن يرويه أربعة عن أربعة وهكذا، هؤلاء العلماء ونحوهم اشترطوا في الرواية عدداً معينا ومحددا، فكأنهم يقولون لا يكفي في الرواية واحداً مطلقا؛ بل لابد أن يكون في الإسناد أكثر من واحد، لماذا ؟ لأنهم قاسوا الرواية بالشهادة.
والإجابة في ذلك: كل هذه الأقوال التي اشترطت أعداد محددة، أقوال مردودة، واشتراطات غير صحيحة، ويكون الرد عليها من ناحيتين:
1: الأحاديث الدالة على قَبُول خبر الواحد، ورد عن النبي النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث سواء من أقواله، أو من تقريراته لأصحابه رضوان الله عليهم، وردت أحاديث كثيرة تدل على أنه لا يشترط لقبول الرواية أن يكون الراوي أكثر من واحد، بل تقبل الرواية وتعد وتعتبر ولو كانت من راو واحد فقط، واستدلوا: عن ذلك بورود أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها:
الحديث الأول في هذا الباب المعروف والمشهور بين أهل العلم: (نضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مُبَلَّغ أوعى من سامع)، هذا الحديث ورد فيه ما يدل على قبول خبر الواحد وحجيته، وأنه معدود ومعتبر شرعا، ويكون حديثه ثابتا و صحيحا، فقوله صلى الله عليه وسلم: (نضَّرَ الله إمرء)، أي: رجل واحد، فدل هذا أن الرواية تقبل ولو كان لرجل واحد.
2: ما ورد في حديث جماعة مسجد قِباء، وهو معروف عند أهل العلم، وهو ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته، وذلك حينما أتاهم آت فقال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أُمِرَ أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا، كما هُم إلى الكعبة" فواضح من النص أن الراوي والرجل الذي أتى إليهم رجل واحد، وقد استجابوا لدعوته وامتثلوا لأمره في أمر عظيم من أهم أمور الدين، ألا وهو الصلاة، واستداروا من جهة الشام إلى جهة الكعبة لخبر رجل واحد، وقد أقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، قال الشافعي: تركوا قِبلة كانوا عليها بخبرِ واحد، ولم ينكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هي الناحية الأولى من النواحي التي يمكن الإجابة عليها في هذا المقام.

العرّاب
08-04-10, 04:11 AM
الحلقة الثانية والعشرون

عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: إنَّا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها))، قال الحافظ: "متفق عليه".

ترجمة الراوي:
اختلف في اسمه واسم أبيه، اختلافاً كثيرا ؛فقيل: هو جُرثوم بن عمرو، وقيل جُرهم بن ناشم، وقيل غير ذلك، وقد ذكر ابن حجر في كتابه الإصابة في تميز الصحابة لأبي ثعلبة الخُشني رضي الله عنه 18 اسما له ولأبيه، وقد اشتهر بكنيته أبي ثعلبة الخُشني، قد يقول قائل لماذا هذا الخلاف في اسمه واسم أبيه تماماً مثل الخلاف في أسماء الصحابة الأجلاء الذين اشتهروا بكناهم كأبي هريرة وأبو بكر رضي الله عنهم وغيرهم؟ نقول هذا أمر طبيعي وارد، إذ أن هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم اشتهروا بهذه الكنى وعرفوا بها زمن المصطفى صلى الله عيه وسلم، وزمن الصحابة رضوان الله عليهم، فلم يكونوا يحتاجون مطلقا لأسمائهم ولأسماء آبائهم، ثم لما ذهب الجيل الأول من الصحابة والتابعين، بدأت تدوين السنة وبدأ تدوين علومها وبدأ البحث والتنقيب عن جميع جزئياته، ومن بين الجزئيات التي بحث عنها أسماء الصحابة وأسماء آبائهم.
بحث بهذه القضية بعد وفاة الجيلين الأول والثاني من الصحابة والتابعين، حينما أريد البحث في هذه القضايا، لم يوجد من يعرف بالتأكيد أن هذا اسمه كذا واسم أبيه كذا، وإلا إنه في زمن الصحابة وكبار التابعين كان الكل معروفا بالتأكيد ومائه بالمائة اسمه واسم أبيه، ولكن لما مات الجيل الأول والثاني من غير تدوين ولا بيان، وأيضا عدم اهتمام بهذه القضايا، فكان اهتمامهم منصب على قضايا أخرى، تبليغ الدعوة وتبليغ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشره بين الأمم، والفتوحات، هذه جلّ اهتمامهم أما القضايا الجزئية فلم يكونوا يهتموا بها، فحينما أُهتم بها اهتماما صحيحا لم يوجد من يعرفها مائة بالمائة.

أبو ثعلبة الخشني اشتهر بهذه الكنية (أبو ثعلبة الخُشني)، الخشني نسبة إلى قبيلة خُشين بن النمر من قبيلة قضاعة، وقد حُذفت ياؤها عند النسب، فيقال خُشني فتحذف الياء مثل: جهينة.. جُهني، ونحو ذلك
أسلم عام خيبر في السنة السابعة 7ه، وضرب له النبي صلى الله عليه وسلم بسهم بغنيمتها، وهذا يدل على أنه أسلم قبل الغزوة، وأنه قد شارك في فتح خبير مع النبي صلى الله عليه وسلم،
ومن مناقبه وفضائله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى قومه داعياً ومبشرا بهذا الدين، وموجها قومه إلى الدخول إلى هذا الدين، فأجابوا وأسلموا رضوان الله عليهم جميعا، كما شارك في الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام في فتح دمشق وغيرها، ونزل ببلاد الشام بعد فتحها، واستقر بهذه البلاد يُعلّم الناس ويعظهم في أمور دينهم حتى توفي سنة 75 ه، يعد أبو ثعلبة من المقلّين في الرواية، فهو لا يعد من المكثرين منها، إذ إنه ليس له في دواوين الإسلام إلا أربعون 40 حديثا من بينها حديثنا هذا.
بيان أهم المفردات:
إنَّا بأرض قوم أهل كتاب، أهل كتاب ما المراد بهم ؟
المقصود بهم اليهود والنصارى، فإذا أُطلق أهل الكتاب في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه يراد بهم ملتان اثنتان فقط، هما اليهود والنصارى، وسموا بذلك (أهل كتاب)، لأن الله أنزل عليهم كتب، فكل مِلّة من هذه المِلل أنزل الله عليها كتاب، فأنزل على اليهود التوراة بواسطة موسى عليه السلام، وأنزل على النصارى الإنجيل بواسطة عيسى عليه السلام، فالتوراة والإنجيل هما كتابان من عند الله، اليهود والنصارى اكتسبوا هذه الصفة وأخذوا هذا الاسم من الله عز وجل، فهو الذي سماهم بذلك في كتابه في قوله: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)، فسماهم أهل كتاب.
(إنا بأرض قوم أهل كتاب) ما المراد بالأرض وما المقصود بها ؟
المقصود بالأرض هنا أرض اليمن، لماذا وما الدليل على ذلك ؟
لأن أبي ثعلبة الخشني هو من حشينة بن النمر، وهذه القبيلة فرع من القبيلة الكبيرة وهي قبيلة قضاعة، وقبيلة قضاعة كانت موجودة وتسكن بلاد اليمن، وأيضا مما يدل على الأرض هنا بلاد اليمن، لأن اليمن كان ولا يزال يوجد فيها عدد كثير من اليهود والنصارى، هذا كله يدلنا دلالة واضحة على أن الأرض المقصودة هنا هي أرض اليمن، وبلاد اليمن.
قال: قلت يا رسول الله،: إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم ؟ قال صلى الله عليه وسلم: (لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها، فاغسلوها وكلوا فيها)، نلاحظ أن السؤال ورد على الأكل، أفنأكل في آنيتهم ؟ كما أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بالأكل، في قوله صلى الله عليه وسلم، لا تأكلوا فيها.
قد يقول قائل لماذا، خص النبي صلى الله عليه والسلام في هذا الحديث الأكل دون غيره، فقال: (لا تأكلوا فيها)، ولم يقل: (لا تأكلوا فيها ولا تشربوا)؟ نقول ذكر العلماء جوابين على هذه المسألة:
الجواب الأول: بأنه هو المسئول عنه، والمسئول عنه هنا: هو الأكل، في قول أبي ثَعلبَة أفنأكل في آنيتهم؟ فرسول الله، أجابه على قدر سؤاله فقال صلى الله عليه وسلم: "لا تأكلوا فيها".
الجواب الثاني: لأن الأكل أعم وأبلغ من الشُرب، فهو بلا شك في الإناء أكثر تأثيراً وأكثر التصاقاً بالإناء؛ فحينئذ يكون أبلغ في الدلالة على هذا الحكم، فهو إذن أعم وأبلغ من الشرب، فإذا نهى عن الأكل فإن الشرب يدخل في هذا بطريق التبع، وتذكرون بأنه تقدم لنا هذا المعنى وبيان هذا المضمون بشكل أكثر تفصيل في الحديثين السابقين، حديثي حذيفة بن اليمان وأم سلمة رضوان الله على الجميع، هذا ما يتعلق ببيان أهم المفردات لهذا الحديث

بحث الأحكام:
الحكم الأول: هذا الحديث في ظاهره دلالة واضحة على نجاسة الكفار بأعيانهم وذواتهم في أجسامهم وجلودهم وغير ذلك، ونجاسة كل ما يتعلق من أشيائهم الشخصية كالأواني والملابس التي يستخدمونها ونحوه.
لكن هل يا ترى هل اتفق العلماء على أن الكفار نجسون؟ وغير طاهرين في ذواتهم وظاهرهم وملمس جلدهم ونحو ذلك؟ وبالتالي نجاسة ما يتعلق بهم وما يلامسونه من أشياء رطبه في أوانيهم ومستعملاتهم الشخصية ؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: وإليه ذهب الإمام مالك، ونسبه القرطبي إلى الإمام الشافعي قالوا: بنجاسة الكفار مطلقا، أي: أن الكفار نجسون بذواتهم وبملامستهم وبكل ما يستخدمونه من أواني وملابس وغيره، واستدلوا على ذالك فيما يأتي:
1: الدليل الأول: من القرآن الكريم قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، فهذه الآية واضحة في الدلالة عل هذا المضمون، فقد قال عزَّ من قائل (إنما المشركون نجس)، فوصف المشركون أنهم نجس، وحصر النجاسة فيهم فكأنهم عين النجاسة.
2: الدليل الثاني: من أصحاب القول الأول حديث الباب، حديث أبي ثعلبة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تأكلوا في آنيتهم إلا ألاّ تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها)، ووجه الدلالة فيه واضح، حيث أن صلى الله عليه وسلم لم يأذن بالأكل في آنية الكفار والمشركين إلا بعد غسلها في قوله (إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها) وذلك لتلوثها بالرطوبة وملامستهم لها، قالوا ففي هذا دلالة واضحة على نجاستها، أي الأواني بسبب استعمالهم لها.
ويجدر التنبيه في هذا المقام أن ما نحكيه ونصفه بالنجاسة إنما هي نجاسة ظاهرهم وأدواتهم وأجسامهم وجلودهم وملامساتهم، أما بالنسبة لنجاسة الباطن من كفر ومعتقد وغير ذلك، فهذا بلا شك نجس باتفاق أهل العلم فهم في هذا المقام فهم نجسون نجاسة مجازية بلا شك، ولا خلاف بهذه المسألة.
القول الثاني: في هذه المسألة وهو القول بطهارة الكفار وعدم نجاسة ظاهرهم، أي أن ذوات الكفار والمشركين وظاهرهم ليس بنجس، وإنما طاهر، وبالتالي طهارة ما يلامسونه من الأواني والملابس وما يباشرونه من مأكولات ومشروبات وغير ذلك، طبعا ما لم تكن هذه المأكولات والمشروبات محرمة من خمر أو خنزير أو نحو ذلك فإنها نجسة ليست لملامسة الكفار لها وإنما لهذه المواد.
من قال هذا القول ومن رأى هذا الرأي؟ قال الإمام النووي: وهو مذهب الجماهير من السلف والخلف وبه قال الأئمة أبو حنيفة وأحمد والشافعي في أحد قوليه.
ما هي أدلتهم في هذه المسالة ؟ استدلوا بطهارة ذوات الكفار وعدم نجاسة ظاهرهم بما يأتي:
1: الدليل الأول: القرآن الكريم في قوله: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حِلُّ لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم)، هذه الآية واضحة وصريحة في حِلّ وإباحة طعام أهل الكتاب خصوصا، وبالتالي المشركون عموما، وأيضا حِلّ نكاح المحصنات من الكتابيات، فإباحة طعامهم والزواج منهم يدُلان دلالة واضحة على طهارة ظاهرهم وعدم نجاسة ذواتهم، لأن الطعام يقتضي المخالطة، والنكاح أيضا يقتضي المخالطة، فهذا يدل على طهارة أهل الكتاب.
2: الدليل الثاني: من السنة: وهو ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عمران بن حُصين رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (توضؤوا من مزَادة امرأة مُشركة)، والمزادة هي القِربة الكبيرة، فهذا الحديث واضح في الدلالة على طهارة ذوات المشركين، لماذا؟
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد توضأ من هذه المزادة، وأقرَّ أصحابه على الوضوء، والقربة: لا يمكن وضع الماء فيها إلا عن طريق ملامسة الماء وملابسته ووقوع اليد فيه لأجل التعبئة، ومرور الماء عليها وهكذا، فإذن المصطفى صلى الله عليه وسلم توضأ وأقرّ أصحابه على الوضوء.
3: الدليل الثالث: ما رواه أبو داود وأحمد وغيرهما عن جابر رضي الله عنه قال: "كُنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتِهِم، فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا"، في هذا الحديث يذكر جابر رضي الله عنه، أنهم في الغزو يستولون على سلب المشركين، وسلب المشركين يكون فيه آنيتهم ويكون فيه أسقيتهم، فيستمتع بها الصحابة ويشربون من سقائهم ويأكلون في آنيتهم، بل يأكلون أطعمتهم التي يجدونها لديهم، ولم يعرف عليهم نكير في ذلك، ومعلوم أن هذه الأسقية والأطعمة تكون ملامسة لأيديهم ولجلودهم، فدل هذا على أنها طاهرة وغير نجسة، وجه الدلالة فيما تقدم كله، بأنه قد أبيح أكل طعامهما والشرب من مائهم واستعمال آنيتهم، وكل ذلك قد باشرته أيديهم وأجسادهم، فدل ذلك دلالة واضحة على طهارتها؛ إذ لو كانت ذوات الكفار نجسة لما أباح النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته الانتفاع بها.
ما الراجح في المسالة وفي هذين القولين ؟
الراجح والله أعلم هو ما عليه أصحاب القول الثاني، من طهارة ذوات الكفار والمشركين وعدم نجاسة ظاهرهم وذلك لما يأتي:
1: قوة أدلتهم وصراحتها في هذا الموضوع فهي أدلة واضحة وصريحة سواء من كتاب الله أو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2: لإمكان الرد والإجابة على أدلة أصحاب القول الأول، حيث استدلوا بآية من كتاب الله وحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
بالنسبة للآية الكريمة التي في كتاب الله وهي قوله: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا)، هذه الآية يمكن الإجابة عليها من عدة أوجه ذكرها العلماء كالتالي:
1. قالوا: في قوله ، المقصود بقوله (إنما المشركون نجس) نجاسة الباطن والمعتقد وليس نجاسة الظاهر، فإن نجاسة الكفار في باطنهم ومعتقدهم باتفاق العلماء ولا خلاف.
2. إنما جاءَ هذا سياق الآية لأجل الترهيب منهم والتنفير من الاتصال بهم، وليس مقصود الحق سبحانه وتعالى الحكم عليهم بنجاسة ظاهرهم وذواتهم كلاَّ، بل المقصود بيان ذلك لأجل الترهيب منهم والتنفير من الاتصال بهم، فأنت حينما تريد تحذير شخص من شيء، فإنك ترهبه وتنفره منه بشتى الأوصاف وبأكبر العبارات لكي يبتعد عن ذلك الشيء الذي تريد الابتعاد عنه.
3: أن يقال المقصود بالنجاسة؛ ليس النجاسة الشرعية، بل النجاسة اللغوية التي تعني القذارة والوساخة، وذلك لأن الكفار والمشركين معروف عنهم أنهم لايتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات، فهي أي النجاسة ملابسة لهم وملازمة لهم بشكل دائم، ولاشك أن الكفار والمشركين بهذا المعنى قذرون، وبالتالي هم نجسون، وليس المقصود بالنجاسة هنا معناها الشرعي الاصطلاحي الذي هو محل الخلاف.

العرّاب
08-04-10, 04:11 AM
الحلقة الثالثة والعشرون

نواصل في هذه الحلقة الثالثة والعشرين ما سبق وأن بيناه من مطالب في حديث أبي ثَعلبة الخُشني رضي الله عنه وفي بحث الأحكام والإجابة عن الآية الكريمة "إنَّما المشركون نجس" الآية التي استدل بها أصحاب القول الأول القائلون بنجاسة الكفار والمشركين في ذواتهم وأعيانهم وعدم طهارة ظاهرهم.
ذكرت لكم أربعة أجوبة على هذه الآية.
الجواب الأول: أن المقصود بالنجاسة فيها هو نجاسة الباطن دون الظاهر.
الجواب الثاني: أن المقصود بهذا القول "إنَّما المشركون نجس....." في سياق الآية إنما سيقت للترهيب من الكفار والمشركين، والتنفير من الاتصال بهم.
الجواب الثالث: أن يقال بأن النجاسة في الآية إنما هي نجاسة لغوية.
الجواب الرابع: قالوا المقصود بقول الله عز وجل "إنما المشركون نجس" أي ذوو نجس، فالكلام في الآية على تقدير مضاف، الأصل (إنما المشركون ذوو نجس) فُحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه فصارت الآية (إنما المشركون نجس)، قالوا: وذلك لأن الكفار والمشركين معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، فهو مصاحب لهم بشكل دائم ومستمر، هذه أجوبة أربعة كل واحد منها أقوى من الآخر في توجيه الآية الكريمة.

الإجابة على حديث الباب الذي استدل به أصحاب القول الأول وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها"، والملاحظ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم يذكر النجاسة ولم يتعرض للنجاسة، ولم يصف الكفار والمشركين بأنهم نجِسون في هذا الحديث مطلقا وبهذا، يمكن الإجابة عن هذا الحديث من عدة وجوه:
الوجه الأول: أن يقال: إن الأمر بغسل الآنية في قول الرسول صلى الله عليه وسلم "فاغسلوها" ليس لِتلوثها برطوبتهم، وإنما لما اعتادوا عليه ويعملونه بشكل دائم ومستمر، استخدام هذه الآنية في أكل المحرم وشرب المحرم، وذلك لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر، فحينئذٍ الأمر بغسل الآنية بسبب ما عرف عن المشركين من استخدامها للأمور المحرمة في الأكل والشرب، ويدلنا على هذا دلالة واضحة ما ورد في بعض روايات هذا الحديث الشريف صريحة وبينة في هذا، فقد ورد من رواية عند الإمامين أحمد في مسنده وأبو داود في سننه من حديث أبي ثعلبة الخُشَني رضي الله عنه قال: قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أرضنا أرض أهل كتاب وإنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر، فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم" فأبو ثعلبة رضي الله عنه بسياقه عن الإشكال والسؤال وطرحه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر حيثيات ومبررات وهي: أولا: أنها آنية كفار ومشركين، ثانيا: أن هؤلاء الكفار والمشركين يستخدمون هذه الآنية في أكل الخنزير وشرب الخمر، فحينئذٍ يطرح السؤال ويقول فكيف نصنع بآنيتهم وقدورهم؟
فدلنا هذا دلالة واضحة وفقا للجواب الأول؛ أن الأمر بغسل هذه الآنية ليس لتلوثها برطوبتهم، وبالتالي ليس لنجاستها بنجاستهم، وإنما لطبخهم الخنزير وشربهم الخمر في هذه الآنية.
الجواب الثاني: أن يقال إن الأمر بغسل الآنية ليس للنجاسة، وإنما هو للاستقذار والاشمئزاز من آثارهم، أي: أن الرسول حين أمر بغسل آنية المشركين ليس انطلاقا من أن هذه الآنية نجسة، وإنما لأن الكفار معروفون بقذارتهم ومعروفون بوساختهم وعدم نظافتهم بشكل دائم ومستمر، ومعتنقو الإسلام كما هو معلوم يمتازون بصفة النظافة وبصفة الطهارة بشكل دائم ومستمر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما أمر بغسل أواني الكفار والمشركين ليس لنجاسة هذه الآنية، وإنما لقذارتها لما يوضع فيها من الأشياء القذرة، أو لإبقائهم لها مدة طويلة من الزمن من غير تغسيلها وتنظيفها وتطهيرها، ومما يدلنا على هذا أي أن الأمر ليس للنجاسة وإنما لاستقذارها والاشمئزاز منها؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها" فقوله صلى عليه وسلم "إلا أن لا تجدوا غيرها" جعل الاستعمال لها مشروطا بعدم وجود غيرها يدل هذا على أن الأمر بغسلها ليس للنجاسة لماذا ؟ لأن النجس لا ينقلب إلى طاهر عند عدم وجود غيره مطلقا، بل يبقى على نجاسته ويبقى على حكمه وهو النجاسة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها" هذا يدل على أن الأمر بالغسل، ليس لنجاسة هذه الأواني وإنما لقذارتها ووساختها.
الجواب الثالث: من أجوبة الجمهور على حديث الباب قالوا: إن هذا إنما هو من باب سد الذرائع، وهو مشابه في هذا الجواب لما قدمنا في الآية الكريمة أن هذا لأجل الترهيب من الكفار والمشركين والتنفير من الاتصال بهم، فنهيُ الرسول صلى الله عليه وسلم عن الأكل في آنية الكفار والمشركين، وإذا اضطررنا إليها فإننا نغسلها ونأكل فيها؛ إنما هذا من باب سد الذرائع، وذلك من أجل التنفير من الكفار والمشركين، وعدم الاختلاط والاحتكاك بهم، وأنه ينبغي للفرد المسلم الإقلال ما أمكنه ذلك من مخالطة هؤلاء الكفار والمشركين، لأنه قد يتأثر بهم وقد ينجذب إلى ما هم عليه من عادات وتقاليد، ثم ينجذب إلى ما هو أكثر من الاعتقاد والأفكار، ثم ينجذب إلى ما هو أطم وهو الإيمان، وقديما قيل: كثرة الامساس تذهب الإحساس، فأنت إن أكثرت من الامساس بشيء وكثرت عمله يبدأ الإحساس به وبخطورته وبما فيه من آثام يقل شيئا فشيئا، حتى تتعود عليه، ويصبح ذلك الشيء عندك أمراً عادياً وطبيعياً.
الجواب الرابع: وأخيرا في هذه المسألة، فإن هذا الأمر أي عدم نجاسة الكفار والمشركين في ظاهرهم مما لا يخفى حكمه، فهو أمر تعم به البلوى كما هو معلوم، فلو حرمت رطوبة الكفار والمشركين ونجاستهم، ونجاسة ملامستهم، لو كان هذا أمرا صحيحا وحكما ثابتا لاستفاض هذا بين الصحابة رضوان الله عليهم، ونقل الأمر بالوقاية منهم وعدم ملامستهم وعدم مباشرتهم بين المسلمين، ولمَّا لم يوجد ذلك، وعُرف عن المسلمين تسامحهم مع الأمم الأخرى والكفار والمشركين، ومخالطتهم لهم في البيع والشراء، والأكل والشرب وغير ذلك، دل هذا دلالة واضحة على عدم نجاسة ظاهرهم، وأن هذا مستفيضاً ومعروفاً بين أفراد المجتمع الإسلامي.
2: الحكم الثاني: هذا الحديث فيه دلالة على وجوب غسل آنية الكفار قبل استعمالها، وذلك بدلالة نص حديث الباب على هذا؛ حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها" "فاغسلوها"، وهذا أمر من المصطفى بغسل آنية الكفر والمشركين قبل استعمالها.
لكن؛ هل فعلا يجب غسل آنية الكفار والمشركين قبل استخدامها واستعمالها؟ وبالتالي لا يجوز أن نستخدمها إلا بعد أن نغسلها وننظفها ونطهرها وأن هذا أمر واجب؟ خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة:
القول الأول: فمنهم من قال أن الأمر يختلف باختلاف الكتابي أو المشرك، فإذا عُرِف عنه أكله للخنزير وشربه للخمر ونحو ذلك، واستخدامه لهذه الأواني لهذه الأمور المحرمة والنجسة؛ فحينئذٍ يجب غسل آنيتهم لما فيها من القذارة، ولما اشتملت عليه من الأوساخ، وإذا كان هذا الأمر أي استخدام الآنية في أكل محرم وشرب محرم غير معروف بين المشركين والكفار، ولم يشتهر بين أفراد هذه الأسرة التي استخدمنا أوانيها وأدواتِها، ولم يعرف عنهم ذلكم فحينئذٍ نقول لا بأس باستخدام أوانيهم وإن لم تُغسل. ما الدليل على هذا ؟ وما وجه التفريق بين من اشتهر عنه ملامستهم المحرم وبين من لم يشتهر عنهم ذلك ؟
نقول لأجل أن نجمع بين أحاديث رسول الله الواردة في هذا الشأن، فرسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الخشني كما علمنا من رواية الإمام أحمد وأبي داود، أن أبا ثعلبة الخشني بيّن للرسول صلى الله عليه وسلم أن أهل الكتاب الذين عندهم يستخدمون هذه الأواني في أكل الخنزير وشرب الخمر، فبالتالي لما اشتهر ذلك بينهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بغُسل هذه الآنية.
وأما حينما غلب على الظن أن هؤلاء الكفار والمشركين لا يستخدمون هذه الآنية في أكل المحرم ولا شرب المحرم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة استخدموا هذا الإناء وشربوا فيه، وذلك في الحديث الذي أخرجه الشيخان البخاري ومسلم وغيرهما؛ من أن رسول الله توضأ من مزَادة امرأة مشركة، ولا شك من أن المشركة أعظم قذارة وأشد نجاسة من أهل الكتاب، ومع ذلك توضأ المصطفى صلى الله عليه وسلم من مزادتها، لأنه يعرف يقينا بأن هذه المزادة أو هذه القربة لا يوضع فيها شيء من المحرمات، لا من المأكل ولا من المشرب، ولهذا توضأ صلى الله عليه وسلم من مزادتها، هذا القول الأول، وهو قول أكثر أهل العلم على التفصيل في مسألة غسل الآنية، فأحيانا يجب غسلها إذا اشتهروا باستخدامها للمحرمات، وأحيان لا يجب غسلها إذا عرفنا أنهم لا يستخدمونها في هذه المحرمات.
القول الثاني: وهو قول بعض أهل العلم قالوا: يستحب غسل آنية الكفار والمشركين مطلقا، سواء عرفنا عنهم استخدامها للمحرمات من الأكل والشرب، أو لم نعرف عنهم ذلك، ففي هذه الحال يستحب غسل أوانيهم.
استدلوا: بحديث الحسن بن علي رضي الله مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم "دع ما يُريبُك إلى مالا يُريبُكَ"، وهذا الحديث حديث ثابت أخرجه أحمد والنسائي، وصححه الترمذي والحاكم وابن حبان.
وقوله صلى الله عليه وسلم "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" واضح في هذا الشأن، ومعناه اترك ما تشك فيه أو ما فيه شبهة، وخذ ما لا تشك فيه وليس عندك فيه شبهة، فما دام في أوانيهم شبهة استخدام الأمر المحرم من الأكل والشرب، فحينئذ يُستحب لنا تنظيفها وتطهيرها وغسلها، سواء علِمنا استخدامها يقينا، أم لم نعلم يقينا استخدامه، فما دام عندنا شُبهة، فينبغي لنا تنظيفها وغسلُها.
************************************************** ******
باب إزالة النجاسة
ومناسبة إيراده بعد باب الآنية واضحة، فنحن حينما عرفنا الآنية وأحكامها من حيث الحِل والإباحة من عدمه؛ ناسب أن يذكر المؤلف بابا آخر وهو إزالة النجاسة التي تكون في الآنية أو الملابس أو غير ذلك مما يستخدمه الآدمي.
الحديث الأول
عن عائشة رضي الله عنها قالت "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسلُ المني، ثم يخرجُ إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظُر إلى أثر الغسل فيه" هذا الحديث ذكر الحافظ "متفق عليه".
قال: ولمسلم رواية أخرى عن عائشة رضي الله عنها قالت "لقد كنت أفركُه -أي المني- من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه"، إذن الرواية الثانية: أخرجها الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة.
الرواية الثالثة بلفظ له (لمسلم) عن عائشة رضي الله قالت: "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه" هذه هي الروايات الثلاث الواردة، في حديث عائشة رضي الله عنها.
تخريج الحديث:
هذا الحديث يشتمل على ثلاث روايات، يمكن أن نسميها باسمائها:
1: رواية الغسل "يغسل المني".
2: رواية الفرك "كنت أفركه".
3: رواية الحك "كنت أحكه يابسا" بظفري من ثوبه صلى الله عليه وسلم.
تخريج هذه الروايات الثلاث:
أما الرواية الأولى: وهي رواية الغَسل، فقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة بهذا اللفظ "كان رسول الله يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه"، وهذه الرواية بالغسل، ليست موجودة عند غير مسلم من أصحاب الكتب الستة.
وابن حجر يقول متفق عليه، إذن البخاري أخرج هذه الرواية في صحيحه، نعم ولكن ليس بهذا اللفظ، وإنما أخرجها في صحيحه بلفظ آخر، ونصه عن عائشة رضي الله عنها "كُنتُ أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم" الحديث، فالفرق واضح بين الروايتين في اللفظ والمعنى.
وهذه الرواية التي هي بنص "كنت أغسل الجنابة"، أيضا أخرجها الإمام مسلم في كتاب الطهارة، كما أخرجها النسائي والترمذي في سننهما في كتاب الطهارة إيضاً، وهذه الرواية كما تلاحظون مخالفة للرواية الأولى، وبالتالي بينهما اختلاف في المعنى، قال العلماء في بيان هذه المسألة أي الخلاف بين الروايتين:
ومدار هذا الحديث بروايتيه المتقدمتين على سليمان بن يسار، وقد قال عنه البزار وغيره: إنه لم يسمع (سليمان بن يسار) من عائشة رضي الله عنها، أي: هذه الرواية، رواية الغسل بلفظيها الأول، والثاني.
لكن رُدَّ هذا الكلام، بأن هذا الكلام غير صحيح بما يأتي:
1: إن تصحيح الإمام البخاري له وروايته في صحيحه لهذه الرواية، وموافقة مسلم له وإخراجها له في صحيحه؛ هذا كله مفيد لصحة سماع سليمان بن يسار من عائشة، وأن دعوى الانقطاع وعدم سماع سليمان من عائشة غير صحيحة.
2: وكذلك وردت في رواية أخرى عند البخاري روى سنده عن سليمان بن يسار قال "سألت عائشة عن المني يصيب الثوب"؟ فقوله "سألت عائشة" هذا دليل واضح وصريح على سماع سليمان بن يسار من عائشة مباشرة، إذن فدعوى عدم سماع سليمان من عائشة في "رواية الغسل" دعوى غير صحيحة، وأن الصحيح والثابت وهو أن سليمان بن يسار؛ سمع من عائشة رضي الله عنها.
الرواية الثانية: وهي رواية الفرك التي نصها كالتالي "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه" هذه الرواية الثانية.

العرّاب
08-04-10, 04:12 AM
الحلقة الرابعة والعشرون

(استكمال باب إزالة النجاسة)
الرواية الثانية: وهي رواية الفرك ونصها "كنت أفركه -أي المني- من ثوب رسول الله فركاً، فيُصلي فيه"، هذه الرواية أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، كما أخرجها أصحاب السُنن الأربعة: الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة.
تبقى لنا من أصحاب الكتب الستة الإمام البخاري شيخ المحدثين وأميرُهم، وأول أصحاب الكتب الستة، فهل أخرج هذه الرواية، رواية الفرك؟ وكيف أخرجها؟
الإمام البخاري ذكر هذه الرواية أي: "رواية الفرك" في مُقدِمة الباب حيث؛ قال: بابُ غسل المني وفركه، فهو أشار إلى غسل المني، وعطف عليه الفرك، ثم بعد ذلك ذكر الروايات في غسل المني، ولم يذكر الروايات في فركه، فهو أشار إلى رواية الفرك في المقدمة.
وهذا التصرف والسلوك يعد من ميزات صحيح الإمام البخاري التي تميز بها عن غيره، حيث يذكر في تراجم الأبواب -أي عنوان الباب- بعض الروايات التي يشير إليها بذلك، فيذكر لفظة من الرواية كأنه بهذا يشير إلى هذه الرواية الواردة في هذا الباب، ولا يذكرها بإسنادها المُتصل في صُلبِ الكتاب مطلقا، إما أن يكون ذلك الدافع له اختصارا منه، يعني يذكر ما هو أهم في الباب، ويكتفي بالإشارة إلى الروايات الأخرى في هذا الباب، دون ذكرها بأسانيده أو متنها.
وأحيانا يعمل هذا العمل، ويذكر كلمة من الرواية فقط من غير أن يسوقها بإسنادها، لأنها ليست على شرطه، فبالتالي يشير إليها إشارة، وهذه الرواية، "رواية الفرك"، ذكرها في ترجمة الباب، دون أن يذكر إسنادها، ولعل ذلك اختصارا منه، لأنها رواية ثابتة وصحيحة، ويكفينا في الدلالة على ثبوتها رواية مسلم، وأصحاب السنن الأربعة لها.
الرواية الثالثة: وهي رواية الحك ونصُّها "لقد كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه"، هذه الرواية أخرجها الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، كما أخرجها الإمام النسائي في سننه في كتاب الطهارة أيضا، كما أخرجها الإمام أحمد في مسنده في مسند عائشة رضي الله عنها، فهذه الرواية "رواية الحك" فيها رواية ثابتة مثل الروايتين السابقتين.
فنكتفي بهذه الروايات الثلاثة، ولا ننظر في أسانيدها لأنها ثابتة وصحيحة، وإنما تحدثنا عن الرواية الأولى رواية الغسل لنبين قضيةً ذكرها بعض أهل العلم فيما يتعلق بالصحيحين، صحيح البخاري ومسلم.
ترجمة الراوي:
وهي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عن الجميع، وكفى بذلك تعريفاً، وكفى بذلك نسبا، أمُّها أم رومان ابنة عامر، خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وتزوجها في شهر شوال سنة 10 من النبوة، يعنى عقد عليها آخر سنة من سنوات الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة، وعمرها بنت ست سنين، ودخل بها في المدينة المنورة أيضاً في شهر شوال سنة ثنتين من الهجرة، وهي بنت تسع سنين، يعني تسع إلى عشر، من غير اعتبار الكسر، ومات عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولها 18 سنة، ولم يتزوج بكرا غيرها.
وهنا وقفتان سريعتان في هذا المقام:
1: فيما يتعلق بسن عائشة رضوان الله عليها، قد يستغرب البعض من عقده صلى الله عليه وسلم وهي بنت 6، ودخوله بها وهي بنت 9، وهذا الاستغراب إنما هو ناتج لما ظهر من عادات وتقاليد في المجتمعات الإسلامية في تأخير سن الزواج للذكر والأنثى، والصواب هو ما عليه الأولين، والتبكير في ذلك، لما فيه من فوائد جمة من تحصين الفروج، وتكثير النسل وغير ذلك، فقد كان التبكير بالزواج هو السائد عند العرب والمسلمين وإلى وقت قريب، فهو الأصل.
2: قول المصنفين أن رسول الله لم يتزوج بِكراً غيرها، وهذا من أعظم الأدلة على أن دوافع الرسول صلى الله عليه وسلم مقصود منه غايات سامية ونشر أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الخافقين، وبيوت النبي صلى الله عليه وسلم كلها بزواجه من عدد كبير من الإناث، أصبح كل بيت مدرسة تنشر أخبار الرسول وأحاديثه في نطاق ما يعيشه صلى الله عليه وسلم في بيته ومجتمعه الأسري الداخلي، وإلا لو كان باعثه غير ذلك مما ينعقه الناعقون لكان باستطاعته أن يتزوج من الأبكار العشرات، ولا يأخذ ويتزوج كبار السن.
فعائشة رضي الله عنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الكُنية، أي: أن تكون لها كُنية، فقال: لها تكني بابن أختك عبدالله بن الزبير، فصارت كُنيتِهَا أم عبدالله.
من فضائلها ومناقبها:
كانت فقيهة عالمة، فصيحة فاضلة، كثيرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، عارفة بأيام العرب وأشعارها، روى عنها جماعة كثيرون من الصحابة والتابعين، أيضا ابتليت بحادثة الإفك؛ فأنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات، بعشر آيات من سورة النور، كتابا يتلى إلى يوم القيامة، فتتجدد براءتها دائما وأبدا مع تجدد العصور والدهور.
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها، ودفن فيه، ماتت رضوان الله عليها في المدينة سنة سبع وخمسين، وقيل ثمان وخمسين، ليلة الثلاثاء، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان 17: 9، ودُفنت بالبقيع وصلى عليها الصحابي الجليل وحافظ الأمة أبو هريرة، وكان أبو هريرة خليفة مروان بن الحكم على المدينة النبوية، أيضا من آخِرِ مناقبها وليست آخرها أنها تعد من المُكثرين من الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فلها في دواوين السنة عدد من الأحاديث تبلغ 2210 حديثاً.
بيان أهم مفردات النص النبوي:
الرواية الأولى "كان رسول الله صلى يغسل المني"
لفظة المني والمراد بها؟ المني اصطلاحا: عرف أنه ماء الرجل الذي يخرج منه دفقا بشهوة، يقال له مني ومنيِّ، يعني: بتشديد الياء وتخفيفها.
لماذا سمي المني بهذا الاسم؟ قال العلماء سمي بذلك:
لأن أصل المني في اللغة: هو التقدير، لك أن تقول: منيت كذا، أي قدرته، أتمنى كذا لأنني أريد أن أقدره وأفعله، إذن مادة الميم والنون والياء، تعني: التقدير، وقد ورد هذا، أي استخدام هذه المادة بمعناها اللغوي في قوله تعالى: "ألم يك نطفة من مني يمنى"، وفي الآية الأخرى، قوله: "من نطفة إذا تُمنى" ومعنى يمنى وتُمنى هنا أي: يقدر.
المعنى: أن هذه النطفة تُقدر من الله تعالى، ومنه أي: استخدام المادة الميم والنون والياء بمعنى التقدير، وقالوا: ومنه المنيِّة، وهي الموت، لماذا سمي الموت بهذا الاسم؟ قالوا: لأنه مقدر من الله تعالى، ومعلوم منه سبحانه وتعالى سواء ما يتعلق بمكانه أو وقته، ولهذا سمي منية، لأنه مقدر من الله تعالى.

تلاحظون أن الرواية الأولى "الغسل" التي أخرجها مسلم وغيره بلفظ "كان رسول الله يغسل المني" وهذه كما أسلفنا عند الإمام مسلم وحده، أما الرواية الثانية التي أخرجها الإمام البخاري وغيره فهي بلفظ "كنتُ أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم" وتقصد بالجنابة: المني.
إذن فنحن أمام مسألة، في الرواية الأولى: وهي نسبة غسل المني في رواية مسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الرواية الثانية: التي أخرجها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي فنسبت في الغسل إليها.
فالإجابة، فيمكن الجمع بين الروايتين بجوابين:
الجواب الأول: أن نقول بتعدد الحالات، فتارةً يغسل المصطفى صلى الله عليه وسلم المني، أي أن المصطفى صلى الله عليه وسلم يباشر الغسل بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم، وتارةً أخرى تغسله عائشة رضي الله عنها وتباشر الغسل هي، وحينئذ لا إشكال في الجمع بين الروايتين.
الجواب الثاني: أن يقال بأن الغاسل في الحقيقة هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، كما في الرواية الثانية: "كنت أغسل الجنابة"، أما الرواية الأولى وهي نسبة الغسل إليه، عليه الصلاة والسلام فهي نسبة مجازية، لماذا؟ لأنه هو الآمر بذلك، وهو صلى الله عليه وسلم الذي أمر عائشة بذلك ووجهها بغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك كما في قولهم: "بنى الأمير المدينة" فليس الأمير هو المباشر لبناء المدينة، وإنما يأمر ببنائها؛ إذن نسبة البناء إلى الأمير هنا نسبة مجازية.
قولها رضي الله عنها "وأنا أنظر إلى أثر الغَسل فيه"، هكذا الغَسل بفتح الغين، والمقصود به هنا: التنظيف والتطهير؛ بخلاف لفظة الغُسل بضم الغين؛ إذ المقصود به أمر آخر: وهو الاغتسال من الجنابة، وهذا غيرُ مُراد هنا.
لفظة أخرى "كنت أفركه":
أفركه: أي أدلكه بيدي، فالفرك: هو الدلك، يقال فرك الثوب إذا دلكه، قالت: "أفركه فركا"، فركا هذا: مصدر تأكيدي، وهو يؤكد المعنى الذي هو قضية الغسل، ويدل على المبالغة في ذلك.
لفظ يحتاج إلى بيان وهو قولها رضي الله عنها "كنت أحكه": الضمير (الهاء) يعود إلى: المني، أي: أحتُّهُ وأزيله.
قد يقول قائل ما الفرق بين الفرك والحك؟
الفرق الأول: الفرك يكون بإلصاق الثوب طبقة منه على طبقة أخرى، ثم يدلك بعضه ببعض، أما الحك فيكون بأداة حادة صلبة كالظفر، أو العود أو نحو ذلك.
الفرق الثاني: الفرك يكون في الأمور اليابسة والرطبة معا، أما الحك فيكون في الأشياء اليابسة والصلبة فقط، الأشياء الصلبة واليابسة لا تزول بالفرك مطلقا، وإنما تزول بالحك.
"كنت أحكه يابساً": هذا اللفظ منصوب على الحال من الضمير (الهاء) في الفعل (أحكه)، الضمير يعود إلى الهاء الذي يعود أصلا إلى المني.
فقد ورد الحت والفرك في عدد من الروايات، ذكرها الشارح الصنعاني،
ومنها مارواه البيهقي والدارقطني وابن خزيمة وابن حبان، من حديث عائشة رضي الله عنها ولفظ البيهقي: "رُبَّما حتته من ثوب رسول صلى الله عليه وسلم وهو يُصلي"، ولفظ الدارقطني وابن خزيمة: "أنها كانت تحُت المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي"، ولفظ ابن حبان ورد بلفظ: "لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول الله، صلى الله عليه وسلم وهو يصلي".

العرّاب
08-04-10, 04:17 AM
الحلقة الخامسة والعشرون

(هذه الحلقة في مصطلح الحديث) (7)
شروط الحديث الصحيح المختلف فيها:
الشرط الرابع: اشتراط العدد في الرواية، حيث قال: القائلون باشتراط العدد، بأن الرواية مثل الشهادة، فكما أن الشهادة تقتضي عدداً من الشهود اثنان أو ثلاثة أو أربعة على حسب الشهادة، فكذلك الرواية، لابد من توفر عدد من الرواة في كل طبقة من طبقات الإسناد، واختلفوا في هذه المسألة على أقوال بينتها لكم فيما مضى، ثم عرّجنا على الرد والإجابة على قول من قال بأنه لا يقبل خبر الآحاد المفرد، وإنما لا يقبل خبر الآحاد إلا إذا كان في كل طبقة من طبقاته أكثر من واحد، فذكرنا ردوداً على هذه الأقوال منها:
1: ما ورد عن المصطفى صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم من حثٍ من المصطفى صلى الله عليه وسلم على قبول الحديث ولو كان راويه واحداً، ومن قبول للصحابة رضوان الله عليهم لرواية الواحد وتنفيذهم لمضمونها كما حصل في حادثة قِباء، وفقاً للتفصيل المذكور فيما سبق.
2: هي ما ذكره الحافظ ابن حجر في حق من اشترط أكثر من واحد، حيث قال: "هذا كلام من لم يُمارس الصحيحين أدنى ممارسة، ويرد هذا القول، وهذا الزعم أول حديث في صحيح البخاري، فإن أول حديث من أحاديث صحيح البخاري، هو حديث (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) -وقد قدمت لكم فيما مضى في أقسام الحديث وذكِر الحديث الغريب أن من أمثلته هذا الحديث، فقال الحافظ رحمه الله- فإنه لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عمر، راوٍ واحدٍ فقط، ولم يروه عن عمر إلا علقمة، راوٍ واحد فقط، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، راوٍ واحد فقط، ولم يروه عنه إلا يحيى بن سعيد، أربعة رواة متسلسلون بالتفرد، كل واحد روى عن واحد آخر هذا الحديث، ويعتبر هذا الحديث من أصح الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أشهر الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام، وصحيح البخاري تلقته الأمة بالقبول، ويعتبر كل ما فيه من أعلى درجات الصحة، ومن بينها هذا الحديث الذي يعتبر في علم مصطلح الحديث فرداً ويسمى غريباً، ومع ذلك تلقته الأمة بالقبول، وعُدَّ حديثاً ثابتاً وصحيحاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وبعد أن انتهينا من تعريف الحديث الصحيح وبيان مفرداته وتوضيحها، ومن ذكر الشروط المتفق عليها لكي يكون الحديث صحيحا، والشروط المختلف فيها التي ذكرها أهل العلم لكي يكون الحديث صحيحا عندهم.
هناك عدد من المسائل، فيما يتعلق بعلم مصطلح الحديث
المسألة الاولى: معنى قول العلماء "حديث صحيح أو صحيح الإسناد"
يصف المُحدِثون الحديث تارة ويحكمون عليه عند النظر في إسناده، فيقولون: هذا حديث صحيح، وتارة أُخرى يقولون: صحيح الإسناد.
فهل هناك فرق بين هاتين الجملتين؟
نعم هناك فرق بينهما، والعالم بمصطلح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يطلق هاتين الجملتين إلا ويُفترض فيه أن يكون عارِفاً لمعناهما، وعالماً بالفرق بينهما.
فإطلاق الحكم على الحديث، بالصحة في قولنا: حديث صحيح، لاشك بأنه أقوى من تقييده بصحة الإسناد، أي بقول: حديث صحيح الإسناد، ولهذا قال العلماء: إن عبارة حديث صحيح الإسناد هي دون عبارة: هذا حديث صحيح المطلقة، لماذا؟ فقول صحيح الإسناد: لا يلزم منه الصحة الشرعية الإصطلاحية التي قدمنا تعريفها المتمثلة بالشروط الخمسة المعروفة، بل حينما نقول: هذا حديث صحيح الإسناد، فإننا نعني هنا بهذه الجملة توفر ثلاثة شروط من شروط الحديث الصحيح، وهي:
1. العدالة في الراوي ، 2.وتمام الضبط منه ، 3.واتصال الإسناد، أي أننا نعني صحة الإسناد فقط، ويتمثل هذا بتوفر الثلاثة الشروط المعروفة فيه.
أما إذا قلنا: هذا حديث صحيح، فحينئذ، لابد أن تتوفر شروط الحديث الصحيح الواردة في الإسناد وأيضاً شروط الحديث الصحيح الواردة في المتن، فلابد أن تتوفر فيه الشروط الخمسة من شروط الحديث الصحيح، سواء منها ما يتعلق بالإسناد (العدالة، تمام الضبط، اتصال السند)، أو ما يتعلق بالإسناد والمتن معاً؛ (عدم العلة، عدم الشذوذ) في هذا الحديث، ومن هنا يتضح الفرق بين الجملتين.
وملخص القول:
قولنا: صحيح الإسناد، قد يصح فيها الإسناد، دون المتن، وذلك لشذوذ أو عِلَّة قادحة فيه، فيكتفي فيه بالنظر في إسناد الحديث.
أما قولنا: حديث صحيح، فحينئذٍ، لابد أن يكون الإسناد والمتن كِلاهما مُشتملين على شروط الحديث الصحيح، ولهذا فإن النظر في قولنا حديث صحيح، لابد أن يكون نظراً تاماً في الإسناد والمتن معاً.
المسألة الثانية: خاض فيها العلماء وتحدثوا فيها، وهي قضية التصحيح والتحسين في كل العصور، سواء كانت في العصور المتقدمة أم المتأخرة لمن تأهل لذلك، فالمسألة هي: (جواز التصحيح والتحسين في كل عصر لمن تأهل لذلك)، فقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى هذه المسألة وتحدثوا عنها بشيء من التفصيل، وتساءلوا فيما بينهم: هل يصح ويجوز للعلماء في كل عصر، وبالذات العُصور المتأخرة، هل يجوز لهم تصحيح وتحسين الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم أنه يُكتفى بتصحيح وتحسين الأئمة السابقين، فما كان عندهم صحيحاً فهو صحيح، وما كان عندهم حسناً فهو حسن، وما لم يكن عندهم من الأحاديث؛ فإنه لا يُنظر فيه ولا يعتبر بإسناده؟
هذه المسألة قد تناولها علماء المصطلح رحمهم الله تعالى، وعند نظرهم فيها نظراً متعمقاً اختلفوا في مسألة التصحيح والتحسين في العصور المتأخرة بالذات لمن تأهل لذلك، على قولين:
1: القول الأول، وبه قال الإمام الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: وهو عدم إمكانية التصحيح أو التحسين أو التضعيف في هذه العصور المتأخِرة، وابن الصلاح رحمه الله تعالى عاش في آخر القرن السادس وأول القرن السابع الهجريين، حيث ولد سنة 577هـ وتوفي 643 ه.
قال ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث والمشهور ب مقدمة ابن الصلاح ص 13، ما نصه: [إذا وجدنا فيما يُروى من أجزاء الحديث وغيرها حديثاً صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصاً على صحته في شيء من مُصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإننا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته]، ثم ساق أدِلته على هذه المسألة وتتلخص في أمرين:
1: قال: "إن الإسناد من عصرنا -عصر ابن الصلاح- إلى صاحب الكتاب أو الجزء الحديثي -في المصنفات المتقدمة- لا بد أن نجد في رواته من يعتمد على كتابه -يعني لا يعتمد على حفظ صدره وإنما يعتمد على كتابه- الذي رواه عن شيخه، وشيخه رواه عن شيخه وهكذا، ويكون عرِيًّا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان، -يعني: يكون في الغالب وفي العادة أننا نجد رواة الأجزاء الحديثية ورواة المصنفات غير ما ذكر من المصنفات المشهورة التي تشتمل على أحاديث لم تطرق فيما قبل، نجد غالبا من رواتها من يعتمد على كتابه ولا يعتمد على حفظه، ومن كان كذلك فإنه يكون في بعضهم أو الكثير منهم عارِياً عما يشترط في الحديث الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان-.
2: قال: لو صح الحديث -أي هذا الحديث الذي حكم عليه هذا المتأخر بأنه حديث صحيح- لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة؛ وذلك لشدة فحصهم واجتهادهم واستقصائِهِم بالحكم على الأحاديث المعروفة والمروية" -يعني: أن هذا الحديث الذي وجده ذلك المتأخر، وحكم عليه بالصحة أو الحُسن، لو كان فعلاً ثابتاً وصحيحاً لمر على علمائنا المتقدمين ولتحدثوا عن إسناده وصححوه أو حسنوه أو ضعفوه، أما وإنه لم يمر عليهم ولم يعرف لديهم، فهذا يدل على أنه حديث حادث، ولم يكن موجوداً في الزمن الأول.
2: القول الثاني، وإليه ذهب جماهير العلماء من سلف الأمة وخلفها قالوا بجواز التصحيح والتحسين للأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان ذلك في عصور متأخرة.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى، بعد سياقه لرأي الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: [والأظهر عندي جوازه، أي جواز التصحيح والتحسين لمن تمكن منه وقويت معرفته].
وقال الحافظ العراقي رحمه الله تعالى: [وما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث من التصحيح والتحسين في العصور المتأخرة من لدن ابن الصلاح إلى وقتنا الحاضر] ولا شك أن الراجح هو ما عليه قول جماهير العلماء في هذه المسألة.
أما ما ذكره ابن الصلاح من تعليلات، فهي غير مقبولة ويمكن الإجابة عنها بما يلي
1: الجواب على تعليله الأول وقوله: "إن الإسناد من عصرِنَا لابد أن تجد في رواته من يعتمد على كتابه"، فنقول: إن هذا الكلام الذي ذكره رحمه الله تعالى، لم يوافقه أهل العلم عليه، إذ أنه يَلزم من كلامه أن كل أو أغلب من حدث من كتاب -وإن ضبطه- فإنه -أي هذا الراوي- لا يوصف بالحفظ والإتقان والضبط، فلا يعد على كلام ابن الصلاح حافظاً ولا ضابطاً ولا مُتقناً، وهذا غير صحيح وقد تقدم لنا في شرح تمام الضبط، الذي هو قيد من قيود الحديث الصحيح، أن الضبط عند أهل الحديث قسمان اثنان هما: ضبط صدر، وضبط سطر وكتاب.
فالقسم الثاني، الذي هو ضبط السطر والكتاب، يدخل فيه من أخرجه رحمه الله تعالى من أهل العلم ممن يعتمد على كتابه؛ بل إن ابن الصلاح في مقدمته في علوم الحديث، قد وصف من منع من التحديث من الكتاب بأنه متشدد، فقال: "من قال بأنه لا يصح تحديث المتحدث من الكتاب وإنما يفترض فيه أن يحدث من صدره وحفظه" ذكر هذا ورد عليه بأن من يقول هذا القول فإنه متشدد.
2: الجواب على الشبهة الثانية التي أوردها أنه "لو كان هذا الحديث صحيحا لما أهمله أئمة الأعصار المتقدمة" فنقول: ما ذكره رحمه الله تعالى، غير وارد، إذ لم يذكر أحد من الأئمة المتقدمين أنهم قد أحاطوا بكل الأحاديث الصحيحة، بل إن أئمة من المعاصرين لابن الصلاح وممن بعده قد صححوا عددا من الأحاديث النبوية، فلم يلتفتوا لما ذكره ابن الصلاح ولم يتقيدوا به، بل خالفوه في هذا فصححوا عددا من الأحاديث النبوية التي لم يُحكم عليها بذلك من قبل، أي لم يحكم عليها الأئمة السابقون بأنها أحاديث صحيحة.
ومن هؤلاء: أبو الحسن ابن القطان، فقد صحح بعض الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي لم يصححها الأئمة المتقدمون، وكذلك الضياء المقدسي فقد صحح عددا كثيرا من الأحاديث في كتابه المشهور الأحاديث المختارة وصحح في هذا الكتاب أحاديث لم يسبق إلى تصحيحها، وكذلك سلك السلف الصالح من الأئمة المتأخرين هذا المنهج وهذا الطريق، وصححوا أحاديث لم يحكم الأئمة السابقون عليها بالصحة، وذلك مثل الحافظان: المنذري وابن حجر، وغيرهما ممن جاء بعدهما من أهل العلم إلى وقتنا الحاضر، فهم يجتهدون في الأحاديث وينظرون في أسانيدها ويحكمون عليها بالصحة وفقا لما فتح الله عز وجل عليهم في هذا المقام.
المسألة الثالثة: أول من ألف في الصحيح المجرد:
أول من ألف في الصحيح مُطلقاً هو الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى وذلك في كتابه الجليل "الموطأ"، ولكنه لم يدخل فيه الأحاديث الصحيحة والمرفوعة فقط، بل أدخل فيه معها الأحاديث المنقطعة، والأحاديث المرسلة، وأدخل فيها البلاغات، والآثار الموقوفة عن الصحابة والتابعين، ولهذا لا نستطيع أن نقول: إن موطأ الإمام مالك هو أول ما أُلف في الصحيح المجرد، وإنما موطأ الإمام مالك يعد أول من أَلف في الصحيح مطلقا، أما الصحيح المجرد فأول من ألف فيه هو الإمام البخاري رحمه الله تعالى، حيث ألف كتابه "الجامع الصحيح"، ثم تلاه الإمام مسلم ابن الحجاج النيسابوري رحمه الله تعالى، فألف بعد قليل من زمن تأليف صحيح البخاري، كتابه "الجامع الصحيح" المعروف بصحيح الإمام مسلم.
قد يقول قائل: ورد عن الإمام الشافعي أنه قال: "ما على ظهر الأرض من كتاب في العلم بعد كتاب الله عز وجل أصح من كتاب مالك"، وهذا يعني أن أول من ألف في الصحيح المجرد هو الإمام مالك، صحيح أن مراد الإمام الشافعي موطأ الإمام مالك، لكنه قال ذلك قبل تصنيف الصحيحين، صحيحي البخاري ومسلم، وإذا عُلم هذا فالصحيحان أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى.

العرّاب
08-04-10, 04:20 AM
الحلقة السادسة والعشرون

عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول صلى الله عليه وسلم يغسل المني، ثم يخرج للصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه).

بحث أحكام هذا الحديث النبوي الشريف:
الحكم الأول: في هذا الحديث وبالذات في روايته الأولى، وهي رواية الغَسل: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني) أو رواية أخرى في هذا: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم).
ففي هذا الحديث وبالذات في الرواية الأولى رواية الغَسل دلالة على نجاسة المني، وذلك لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم له، أو لأمره صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في غسله، وكون النبي صلى الله عليه وسلم غسله، أو أمر بغسله يؤخذ منه دلالة على أن المني نجس وليس بطاهر.
لكن العلماء رحمهم الله تعالى لم يتفقوا على هذه المسألة بشكل واضح وجلي، وإنما اختلفوا في نجاسة المني، أو عدم نجاسته على قولين:
القول الاول: وإليه ذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد، فقالوا: بنجاسة المني، فإذا وقع على البقعة من ثوب أو غيره فإنه يجب تطهيرُها بالماء، لأن هذه البقعة تُعد نجسة، ولاشك بأنهم لا يقولون بهذا القول إلا ولديهم أدلة على هذا الحكم، فما أدلتهم؟
1: حديث الباب كما قدّمنا، وبالذات في روايته الأولى "رواية الغَسل" حيث غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم المني، أو في الرواية الأخرى أمر عائشة رضي الله عنها بغسل الجنابة، أي: بغسل المني، قالوا: والغَسل لا يكون إلا عن نجس، فلا يأمر النبي عليه الصلاة والسلام بغسل أو يغسل إلا شيء نجس.
2: بالقياس على غيره من فضلات البدن المستقذرة، كالبول والغائط ونحوهما، ما العلة المشتركة بين هذه الأمور الثلاثة وغيرها؟ قالوا: العِلة الاولى: لانصبابها جميعاً إلى مقر واحد، فتعتبر كلها خارجة من السبيلين، والعِلة الثانية: هي انحلالها عن الغذاء، لأنها متحللة عن الغذاء.
3: كل الأحداث الموجبة للطهارة نجسه، والتي إذا حدثت للآدمي فإنه يجب عليه الطهارة منها، كلها -أي الموجبة للطهارة والاغتسال- نجسة قالوا: والمني منها، فهو حدث موجب للطهارة والاغتسال، فحينئذ يكون نجساً.
فهذه أدلة أصحاب القول الأول، دليل من السنة، دليل من القياس، دليل من العقل والإجتهاد.
القول الثاني: وإليه ذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد في رواية عنه، فقالوا: بأن المني طاهر وليس بنجس، والذي يترتب على هذا؛ أنه إذا وقع على البقعة من ثوب أو غيره فلا شيء فيه ولا يعد نجساً، ولا يجب غسله وإنما يشرع تنظيف موقعه فقط، فما دليلهم على أن المني طاهر وليس بنجس؟
1: الروايات الثانية والثالثة التي وردة في هذا الحديث، وهي "رواية الفرك" وهي رواية ثابتة عند مسلم وغيره، وأيضاً "رواية الحك"، بل هناك رواية ثالثة أوضح من هذا وأصرح في الدلالة على أن المني طاهر، وليس بنجس وذلك في الرواية الواردة في حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: (لقد رأيتني أفرُك المني من ثوبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي)، والحديث بهذه الرواية رواه ابن حِبان ورجاله رجال الصحيح، أي أن هذه الرواية عن الحافظ ابن حبان رحمه الله تعالى رواية ثابتة وصحيحة ورجالها رجال الصحيح.
قد يقول قائل: ما وجه الدلالة من روايات الفرك والحك على أن المني طاهر، وليس بنجس؟ وجه الدلالة على هذا من ناحيتين:
عبارة الفرك والحك، إذ أن الفرك والحك كليهما لا يزيلان عين المني بالكلية مطلقا مهما كان؛ لأنه لا يزيل عين المني بالكلية إلا بغسله بالماء، أما إذا فركناه وحككناه فإنه سيبقى منه آثار وبقية في الثوب وغيره، وكون رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتفى بالفرك والحك، وصلى صلوات الله وسلامه عليه يدل دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم يرى أن المني طاهر، وليس بنجس، فلو كان نجسا لما أجزأ فيه الفرك والحك.
ما ورد في رواية ابن حبان، من كونها رضي الله عنها فركته وهو يصلي، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد شرع في الصلاة وفي ثوبه هذا المني فهو كان عالقا في ثوبه وموجودا فيه، ولو كان نجسا لما فعل ذلك صلى الله عليه وسلم؛ ولأخبره جبريل بهذه النجاسة لأجل أن يغسله ثم يتجه إلى ربه طاهرا نظيفا، ولهذا سابقة، ومثال ورد في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى، وذلك مثل ما حصل في حادثة النعَل حينما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد بِنِعَلِه، وصلى بالمسلمين من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بنعله، وفي أثناء الصلاة جاء إليه جبريل عليه السلام وأخبره بأن في نعليه قذرا، فما كان من المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن خلع نعليه لوجود القذارة والنجاسة فيهما، فما كان من الصحابة رضوان الله عليهم إلا أن فعلوا ذلك مثله، وحينما صلى صلى الله عليه وسلم قال: "لم فعلتُم ذلك؟"، قالوا: لأننا رأيناك فعلته ففعلنا مثلك، فذكر صلى الله عليه وسلم القصة وأن جبريل أتاه وأخبره بأن في نعليه قذرا؛ ولهذا خلعهما، فلو كان المني نجسا وشرع صلى الله عليه وسلم في الصلاة وهو عالق به لجاء جبريل عليه السلام وأخبره بذلك، أما أنه لم يأته ولم يخبره، وشرع الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاته وهو فيه، ثم جاءت عائشة رضي الله عنها وفركته، فإن هذا يدل دلالة واضحة على طهارة المني وعدم نجاسته.
2: ما رواه البيهقي والدار قطني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب، فقال صلى الله عليه وسلم: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق والبزاق"، وقال: "إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخِرة" يعني بعود وتزيل عين ذلك الشيء ويكفي هذا في تنظيفه، فهو يريد صلى الله عليه وسلم معاملة الأشياء المستقذرة في الظاهر، وإلا فهو في حقيقة الأمر وواقعه ليس بنجس، ولا شك بأن هذا الحديث لو صح لكان فيصلا في الموضوع وقاطعا في الدلالة؛ ولكنه ضعيف عند أهل العلم، فقد قال الإمام البيهقي بعد روايته لهذا الحديث في سننه: "ورواه وكيع، وابن أبي ليلى، موقوفا على ابن عباس وهو الصحيح" يعني: الصحيح أنه موقوف على ابن عباس، ولا يثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكننا نقول: وإن كان موقوفا على ابن عباس فهو يدل دلالة واضحة أن هذا رأيه، ولا شك بأن رأي الصحابي حجة ويؤخذ به في موطن النزاع وفي غيره من المواطن، ولكن في موطع النزاع يعد مرجحا قويا لأحد القولين على الآخر.
ما الراجح من القولين ؟
الراجح والله أعلم هو ما عليه أصحاب القول الثاني من طهارة المني وعدم نجاسته؛ لأمور عدة:
1: قوة أدلتهم وصراحتها ووضوحها، روايات الفرك والحك، فهي واضحة في الدلالة على أن المني ليس بنجس وإنما هو طاهر.
2: هناك مسألة تتعلق بهذا المقام فينبغي أن توضع موضعاً بارزاً فيما يتعلق بالترجيح، أن المني هو أصل الآدمي كما ورد في قوله تعالى: (من نُطفة إذا تمنى)، وفي قوله تعالى (من مني يُمنى)، فأصل الآدمي في هذا المني، ولا يمكن أن يكون أصل الآدمي نجساً، لأننا إذا قلنا بأن أصل الآدمي نجس فهذا يعني: أننا نعد ونعتبر الآدمي نجساً، وهذا أمر غير وارد وغير صحيح مطلقاً.
3: إمكان الرد والإجابة على أدلة أصحاب القول الأول:
أولا: استدلالهم على هذه المسألة بحديث الباب وبرواية الغسل، فنقول: حديث غسل المني سواء كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من فعل عائشة رضي الله عنها محمول على الندب والاستحباب، وليس الغسل دليلا على النجاسة، فكونه صلى الله عليه وسلم غسله أو أمر بغسله، ليس هذا دليلا على نجاسة المني مطلقاً؛ لأنه قد يكون غسله صلى الله عليه وسلم أو أمر بغسلِه لأجل النظافة وإزالة الدرن والوسخ ونحوه، ولاشك أن المني يعتبر في ظاهره من الأمور التي تستقذرها النفس، فهو كالأدران والأوساخ التي تعلق بالجسد وتعلق بالثوب وغيره، وتشبيهه بالبزاق والمخاط، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما سواء كان مرفوعاً أم موقوفا دليل على ذلك، أي أنه من الأشياء التي تُستقذر فيحسن غسلها وتطهيرها وينبغي ذلك، ولكن لايعني هذا أنها نجسةٌ مطلقاً.
ثانياً: قياسهم المني على سائر الفضلات الأخرى، هذا قياس مع النص، ولا يصح القياس مع وجود النص، فإذا وجدنا نصاً عن المصطفى صلى الله عليه وسلم يدل دلالة صريحة على مسألة؛ فإننا نأخذ به ونلتزم به ولا نذهب إلى القياس ونأخذ به في هذه المسألة مع وجود النص، فهو قياس مع النص غير صحيح.
ولو سلّمنا بصحة هذا القياس فنقول: إنه منقوض بسائر الأمور الأخرى وبقية الأمور الأخرى التي تخرج من البدن، وذلك مثل الدموع والمخاط واللعاب ونحوها فكلها فضلات تخرج من البدن وليست نجسة مطلقاً.
ثالثاً: قولهم بأن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة:
فنقول: هذا اجتهاد مع وجود النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة، ولا يصح الاجتهاد ولا ينبغي مع وجود النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ناحية أُخرى فما ذكروه من أن الأحداث الموجبة للطهارة نجسة غير صحيح، إذ ليست كل الأحداث الموجبة للطهارة نجسة، والقاعدة التي ذكروها غير صحيحة وتعد مخرومة عند أهل العلم، فتكون منقوضة وغير ثابتة عندهم، ويدل لذلك وعلى سبيل المثال: أنَّ الجِماع من غير إنزال يوجب الطهارة، وهو لا يعد نجساً مطلقاً عند أهل العلم، وما ينتج عنه لا يعد نجسا عند أهل العلم مع أنه إذا حصل فهو موجب للطهارة، وموجب للغسل ومع ذلك فلا يُعدّ هذا الأمر نجساً، وإنما إيجاب الغسل عند الجماع من غير إنزال إنما هو لحكم تعبدي، وقيدنا الجماع من غير إنزال لأنه إذا حصل بالجماع إنزال فيكون إنزال مني، فيعود لمسألتنا التي نحن مختلفون فيها، ونقول المراد بالإلزام هنا والدلالة هي في الجماع من غير إنزال، فهو يوجب الطهارة وليست لنجاسته مطلقاً وإنما لحكم تعبُدي والله أعلم.

باب الوضوء
تعريف الوُضوء وبيان المراد به:
أولاً: تعريف الوضوء لغة، ما هو الوُضوءُ في اللغة؟
قال الفيروز آبادي رحمه الله تعالى، في كتابه القاموس المحيط: "الوُضوءُ، بضم الواو، على معنى الفعل؛ يعني عملية التوضؤ، فيطلق عليها وُضوء، بضم الواو ويأتي بالفتح الوَضوء، ويراد به الماء الذي يُستعمل في الوضوء"، هذا قول أئمة اللغة وعلمائها.
وهناك قول آخر في هذه المسألة وهو: أن الوَضوء، والوُضوء لُغتان لمعنى واحد، وهذا يذكرنا بمسألة سابقة، سبق الخوض فيها في أول الأبواب؛ فيما يتعلق بالحديث الأول: (هو الطَهُور ماؤه)، فقد ذكرنا في لفظة الطهور، والطهور؛ بالضم والفتح عين ما ذكرناه هنا: في الوَضوء والوُضوء.

العرّاب
08-04-10, 04:20 AM
الحلقة السابعة والعشرون

الوضوء: يُهمز فِعله أي: يكون بهمزة، فتقول: توضأت بالهمز، ويصح قلبه ياءً للتسهيل، فتقول: توضّيت، وكلاهما مسموع في لغة العرب.
الوضوء لغة: هو من الوضاءة، وهي الحسن والنظافة، فلان وضيء أي حسن وجميل ونظيف، وسمي وضوء الصلاة بذلك لأنه يُنظِف المتوضئ ويُحسنه ويزيل عنه الأوساخ ونحوها.
الوضوء شرعا أو اصطلاحاً: طهارةُ مائيةٌ تتعلق بالوجه واليدين والرأس والرجلين.
ما هي أدلة مشروعية الوضوء؟ ثبتت مشروعية الوضوء، في الكتاب، والسُنة، والإجماع.
1: القرآن الكريم قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فإغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسِكم وأرجلكم إلى الكعبين".
2: من السنة من ذلك مارواه الشيخان بخاري ومسلم وغيرهما عن ابي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لايقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ"، أيضاً مارواه الترمذي والنسائي وغيرهما، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الوضُوء شطر الإيمان".
3: من الإجماع انعقد إجماع المسلمين على مشروعية الوضوء من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وإجماع الأمة قائم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على مشروعية الوضوء، فصار الوضوء معلوما من الدين بالضرورة.

فضائل الوضوء:
ورد في الوضوء فضائل كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهمها مايلي:
الحديث الأول: مارواه الإمام مالك وغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه، خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء أو مع آخِر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخِر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى يخرج نقياً من الذنوب"، فهذا دليل على أن الوضوءكما هو مطهر للبدن ومنظف له من الأوساخ، أيضا هو مطهر ومنظف له ومزيل عنه كل الخطايا والسيئات.
الحديث الثاني: مارواه الإمامان مسلم والترمذي وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألآ أدلكم على مايمحوا الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟" قالوا: بلى يارسول الله، قال صلى الله صلى الله عليه وسلم: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط"، فهذا دليل صريح على فضل الوضوء، يمحو الله به خطايا العبد، ويرفع به درجات العبد عنده في الدار الآخرة.
هل الوضوء من خصائص هذه الأمة؟
فيه خلاف، والأرجح من أقوال أهل العلم إن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة، وإنما شاركها فيه سائر الأمم والنبوات السابقة، بدليل ماورد في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند ابن ماجة في سننه وعند أحمد في مسنده وغيرهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، توضأ ثلاثاً ثلاثَا، ثم قال: "هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي" فإذن الأنبياء قبل الرسول صلى الله عليه وسلم كانوا يتوضؤون وبنفس الوضوء الذي بينه وشرعه رسول الله.
إنما من خصائص هذه الأمة، واختصت به دون غيرها من الأمم: مسألة الغُرّة والتحجيل، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن هذه الأمة اخُتصت بهذا في حديث الحوض، وبيان أن هذه الأمة يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويردونه على الحوض، يعرفهم صلى الله عليه وسلم بكونهم غرٌ مُحجلين من آثار الوضوء، ولهذا دعا صلى الله عليه وسلم، فقال: "من استطاع أن يُطيل غُرّته أو تحجيله فليفعل"، فهذا الحديث يدل على أن الأمة، اختصت بالغُرّة والتحجيل، أما الوضوء فهو عام لسائر الأنبياء.

الحديث الأول
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" الحديث بهذا اللفظ أخرجه الأئمة مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقاً.

تخريج الحديث:
هذا الحديث قد ورد بِروايتين مُختلفتين:
الرواية الأولى: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" ذكر "الوضوء".
الرواية الثانية: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" فذكر صلى الله عليه وسلم، "الصلاة".
ما الصحيح في الروايتين؟ وهل نطق الرسول صلى الله عليه وسلم، بأحدهما فقط أم أنه صلى الله عليه وسلم ذكر الأمرين معاً، وأبوهريرة رضي الله عنه نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم اللفظين معاً ؟
الرواية الاولى: ورد هذا الحديث بلفظ: "مع كل صلاة" أخرجها أصحاب الكتب الستة؛ البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم، فهذه الرواية مجال بحثها في كتاب الصلاة.
الرواية الثانية: وردت بلفظ: "مع كل وضوء" "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء".
وهي التي أوردها الحافظ ابن حجر، هنا في باب الوضوء، وهذه الرواية أخرجها من أصحاب السُنن الأربعة: الإمام النسائي في سُننه في كتاب الطهارة، كما رواها الإمام مالك في كتابه الموطأ في كتاب الطهارة، بهذا اللفظ، ولكنَّه لم يصرح برفعها، لكن هذه الرواية رواها الإمام الشافعي في كتابه الأم عن الإمام مالك، وصرح في هذه الرواية، "مع كل وضوء" برفعها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذن فهذه الرواية ثابتة عن الإمام مالك بلفظها المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كما رواها الإمام أحمد في مسنده في مسند أبي هريرة رضي الله عنه، وأيضا رواها من أصحاب كتب السُنة ابن خُزيمة في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال تعليقاً على هذه الرواية، قال: "صحيح على شرطِهما"، كما رواها الإمام البيهقي في سُننه.
هذه الرواية قال عنها الحافظ ابن حجر: "وذكره (أي هذا الحديث بهذه الرواية) البخاري تعليقاً"، الإمام البخاري، يذكر بعض الأحاديث بصفة التعليق، والتعليق عند علماء مصطلح الحديث: هو ما سقط من مبدأ إسناده من عند المُصنف راوي أو أكثر، فالإمام البخاري لديه عدد كثير من الأحاديث المعلقة التي يكون هناك راوي أو أكثر سقط بينه -أي بين البخاري- وبين ذلك الراوي -الذي روى عنه- فيقول مثلاً: قال: سعيد بن المسيب عن فلان عن فلان، وقد يقول أيضاً قال: عبد الله بن مسعود، فيعلق الحديث على الصحابي الذي رواه، ولذلك علل وأسباب منه رحمه الله ليس هذا موطنها.
الخلاصة في هذا الباب: أن كل الأحاديث المعلقة التي أوردها الإمام البخاري في صحيحه، قد حققت عند أهل العلم وبحث فيها، ووجدت أحاديث ثابتة وصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إذن هذا الحديث، حديث أبي هريرة، بهذه الرواية "مع كل وضوء"، ذكره البخاري تعليقاً؛ حيث أورده في كتاب الصوم، ثم قال: وقال أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"، والخلاصة في تخريج هذا الحديث والنظر في إسناده: أن هذا الحديث بهذه الرواية حديث ثابت وصحيح، ولا إشكال فيه، وأن هذا الحديث قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بِروايتيه، "الصلاة" و"الوضوء" ولا مانع أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قال الحديثين باللفظين كليهما.

العرّاب
08-04-10, 04:21 AM
الحلقة الثامنة والعشرون

(استكمال لشرح الحديث الأول من بابُ الوضوء)
شواهد هذا الحديث:
ونعني بها الأحاديث الأخرى التي وردت مؤكدة ومبينة لهذا الحديث، وشواهد الحديث إما أن تكون بلفظ الحديث نفسه، وإما أن تكون بمعناه.
ورد في لفظ الحديث كما ورد بمعناه، عدد من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أهمها ما يلي:
أولاً: شواهد هذا الحديث بلفظه:
هذا الحديث بهذا اللفظ: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" ورد عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم:
ورد الحديث عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند الإمام أحمد في مسنده، كما ورد عن زيد بن خالد الجهني عند الترمذي في سننه، كما ورد عن أم حبيبة بنت أبي سفيان عند الإمام أحمد في مسنده، وورد عند عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وجابر عند أبي نُعيم في مُستخرجه، كما ورد أيضا عن أبي أيوب الأنصاري عند أحمد والترمذي.
إذن فهذا الحديث بهذا اللفظ والصيغة ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق عدد من الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، وكل هؤلاء قد رووا هذا الحديث قريباً من هذا اللفظ، كل من ذكرت من الصحابة رضوان الله عليهم رووا هذا الحديث من هذا اللفظ.
ثانياً: شواهد هذا الحديث بمعناه:
ورد بمعنى هذا الحديث بمعناه العام في الحث على السواك وبيان فضله، وردت أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهمها ما يأتي:
الحديث الاول: ما رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه وغيرهما من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تسوّكوا، فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب".
وورد في الأحاديث بُمجمل ألفاظها، من تلك الأحاديث الواردة في فضل السواك "أن السواكَ من سُنن المرسلين"، وأنه من خصال الفِطرة، وأنه من الطهارات، وأن "فضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة، التي لايستاك لها سبعون ضعفاً" وهذه الأحاديث أخرجها الأئمة أحمد وابن خزيمة والحاكم والدار قطني وغيرهم.

بيان اهم المفردات الواردة في هذا الحديث:
"لولا أن أشق" من الناحية الإعرابية: "لولا" حرف امتناع الشرط لوجود الجواب، وتقدير الكلام "لولا مخافة أن أشق على أُمتي لأمرتهم بكذا وكذا" فقد امتنع جواب الشرط الذي هوالأمر، لوجود الشرط، الذي هو مخافة المشقة.
أشق: أي أُكلف وأتعب.
لأمرتهم: الأمر هنا "اللام"، واقعة في جواب لولا، وقد امتنع الأمر هُنا لوجود مخافة المشقة، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على أمته السواك عند كل صلاة أوعند كل وضوء مخافة المشقة عليهم.
أمرتهم: أوجبت عليهم، المقصود هنا الأمر الذي يقتضي الإيجاب والإلزام، وأما بالنسبة للأمر الذي يقتضي الاستحباب والندب فهو موجود عن رسول الله في عدد من الأحاديث، حيث قال صلى الله عليه وسلم في إحدى الروايات: "تسوكوا"، فهو عليه الصلاة والسلام أمر بالسواك؛ ولكن المقصود هنا "تسوكوا" أمر ندب واستحباب، أما أمر الإيجاب والإلزام فقد نفاه الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة، إذن معنى أمرتهم: أي أوجبت عليهم، فليس المقصود بالأمر هنا ظاهره مطلقا.
السِواك: السِواك بكسرالسين، يُطلق على الفعل أي: عملية التسوك، كما أنه يطلق على الآلة المسواك المعروف أو غيره مما يقوم مقامه، والمقصود "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" هنا؛ الفعل أي: أمرتهم بعملية وفعل التسوك.
السواك هو مذكر على الصحيح، فتقولوا: هذا سواكُ فهو مذكر على الصحيح، حكى ابن سِيدة أنه مؤنث، وقد أنكر ذلك الأزهري، ويُجمع السُواك على سُوك، مثل كتاب وكُتُب، كما يجمع بصيغة منتهى الجموع: مساويك على وزن مفاعيل.
أصل السِواك لغة: هو التمايل والتحريك، فعند التسوك تتمايل فيه وتحركه في الفم يمنة ويسرة، وبالتالي هو يتمايل ويتحرك من هنا أطلق عليه سواك، قال ابن الأثير رحمه الله تعالى في كتابه النهاية: "يقال تساوكت الإبل إذا اضطربت أعناقُها من الهزال"، أراد رحمه الله أنها تتمايل رقابها يمينا وشمالا لضعفها، ومن هنا يقال تساوكت الإبل أي: تمايلت أواضطربت أعناقُهَا.
الفقهاء عرفوا السواك اصطلاحا: بأنه استعمال عود أو نحوه في تنظيف الأسنان، لتذهب الصُفرة والكُدره وغيرها.
بحث الأحكام:
الحكم الأول: في هذا الحديث دلالة على مشروعية السواك وتنظيف الأسنان من كل فرد مسلم، وقد ورد الحث في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الكثيرة على السواك وبيان فضله وبيان عظيم مزيته عند الله عز وجل، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام، قد شعر بذلك وقال فيما رواه البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: "أكثرت عليكم في السواك" فينبغي لكل مسلم أن يشوص فاه بالسواك في أوقات ومواضع مُحددة لتنظيف أسنانه، حتى لو لم يكن للفرد المسلم أسنان، فإنه ينبغي له أن يَشُوص فاه ويتسوك تنفيذاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتباعاً لسنته وهديه عليه الصلاة والسلام، فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت يارسول الله الرجل يذهب فوه، أيستاك؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم، قالت: قلت: كيف يصنع؟ قال: "يُدخل أصُبعَه في فيه ويحركه يمنة ويسرة على لِثته" فيعتبر هذا ويعد سواكاً له، وهذا الحديث بهذه الرواية أخرجه الطبراني في الأوسط وفيه ضعف.
ماحكم السواك عند العلماء ؟ اختلف العلماء على قولين:
القول الأول: وبه قال جمهور العلماء قالوا: أن السواك سنة فقط، وليس بواجب؛ بل هو مستحب، وقد ادّعى بعض أهل العلم الإجماع على ذلك، كما نقل الحافظ ابن حجر.
القول الثاني: حكى الإمام الغزالي عن إسحاق بن راهويه (وهو أحد الأئمة المُعتبرين، وأحد الفقهاء المعروفين وهو قرين للإمام أحمد) أنه قال: (إن السِواك واجب لكل صلاة، فمن تركه عمداً بطلت صلاته).
كما نقل الإمام الغزالي عن داود الظاهري، أنه قال: (أن السواك واجب لكنه ليس شرطاً لصحة الصلاة).
ما دليل هذين الإمامين على وجوب السواك؟
استدلوا: بحديث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "تسوكوا" كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في حديث آخر أنه قال: "عليكم بالسِواك"، فأخذ الإمامان إسحاق بن راهويه وداوود الظاهري من هذا وجوب السواك.
و الراجح إن شاء الله تعالى هو ماعليه قول جمهور العلماء: من أن السواك سنة، وليس بواجب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفى وجوب السواك بقوله: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم"، فهو صلى الله عليه وسلم، لم يأمرهم بذلك.
وما استدلوا به من الأحاديث، فيجاب عليها: بأنها أحاديث ضعيفة، وقوله صلى الله عليه وسلم: "تسوكوا" أو في قوله: "عليكم بالسواك" على فرض صحة هذه الأحاديث، فالأمر هنا محمول على الندب والاستحباب، وذلك لدلالة وصراحة حديث الباب، حيث قال عليه الصلاة والسلام: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"، فقد نفى عليه الصلاة والسلام، الأمر الواجب، لوجود المشقة، وثبت عنه الأمر المندوب والمشروع من غير وجوب.
الحكم الثاني: في هذا الحديث دلالة واضحة على استحباب السِواك عند إرادة الوضوء، فيشرع للمؤمن حينما يريد الوضوء قبله أو أثناءه أن يتسوك، وذلك لأن هذا الموضع هو أبلغ في تنظيف الأسنان، أثناء المضمضة وإمرار الماء على الأسنان، وقبل ذلك يتسوك، والسر في هذا والله أعلم كما ذكر ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى قال: "إننا مأمورون أن نقف أمام الله عز وجل في حالة كمال ونظافة، إظهاراً لشرف العبادة في هذا المقام أمام الحق سبحانه"، وقد قيل: بالإضافة لما سبق أن هذا الأمر إنما لأمر يتعلق بالملَك الذي هو موكل بالإنسان الذي يُصلي، فقد أخرج البزار في مسنده من حديث سلمة رضي الله عنه بسند رجاله ثقات كما قال الهيثمي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يُصلي قام الملَك خلفه فيسمع لقراءته ثم يدنو منه حتى يضع فاه على فيه"، فيُشرع للمصلي أن يكون في هذه الحال طاهراً ونظيفاً ولا يخرج من فمه إلا رائحة طيبة.

العرّاب
08-04-10, 04:21 AM
الحلقة التاسعة والعشرون

(استكمال لشرح الحديث الأول بابُ الوضوء)
ورد الحث من الرسول صلى الله عليه وسلم على السِواك في حالات متعددة، وليس فقط في حالات الوضوء أو في حال الصلاة، ومن تلك الحالات مايلي:
الحالة الاولى: قبل النوم، وذلك لحديث مِحرز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "مانام ليلةً حتى استنَّ"، هذا الحديث أخرجه أبو نعيم في كتابه معرفة الصحابة، ومعنى استن: أي تسوك.
الحالة الثانية: وقت السحر، وذلك لحديث عبدالله بن عمر مرفوعاً، "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يستاكوا بالأسحار"، أخرجه أبو نعيم في كتابه معرفة الصحابة، وفي إسناد هذا الحديث عبدالله بن لهيعَة، وهو ضعيف عند أهل العلم.
الحالة الثالثة: عند الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كما هو واضح خاص بالصحابة رضوان الله عليهم، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تدخلو علي قُلحاً، استاكوا"، فقد أمر صلى الله عليه وسلم، بالاستياك عند الدخول عليه، ومعنى القُلح: المراد به صفار الأسنان وما يبدو عليها من وساخة وقذارة، هذا الحديث أخرجه البزّار وغيره من أهل العلم.
الحالة الرابعة: في يوم الجمعة، ولا شك أن الأمر زائد عن الوضوء والصلاة للجمعة، حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الغُسل يوم الجُمعة واجب، وأن يستنَّ، ويمس طيباً إن قدر عليه"، والشاهد هنا في أن يستن: أي أن يتسوك في هذا اليوم الفضيل يوم الجمعة.
الحالة الخامسة: عند قراءة القرآن الكريم، وذلك لحديث علي بن أبي طالب مرفوعاً "إنما أفواهكم طرق القرآن وطهورها بالسواك"، فهذا يفيد بأنه لابد أن نُطَهِر أسنانا وأفواهنا قبل قراءة القرآن الكريم، كي نقرأ القرآن الكريم ونحن على طهارة ظاهرة بالوضوء وطهارة في فمنا وأسنانا، وهذا الحديث أخرجه أبو نُعيم مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخرجه ابن ماجة في سننه موقوفاً على علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
الحكم الثالث: (لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ) هذا الحديث بعمومه يدل على استحباب السِواك عند كل وضوء وفي جميع الأزمنة، فعند كل وضوء ينبغي لك أن تستاك، ويدخل في هذا العموم الوضوء في حال الصيام فالحديث يدل على أنه يُشرع للمسلم أن يستاك عند الوضوء حتى ولو كان صائماً، وذلك لعموم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا، ولم يُفرق فيه بين الاستياك قبل الزوال أو بعده.
مسألة: هل فعلا يصح الاستياك للصائم أم أن الصوم حالة خاصة، لاينبغي فيها الاستياك لما فيها من مخالفة لبعض القضايا؟
اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: وهو قول جمهور العلماء: استحباب السواك في كل زمان و مكان حتى في الصيام، سواء كان ذلك قبل الزوال أو بعده، مستدلين في عموم هذا الحديث، من حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسواك عند كل وضوء، ولم يستثنِ الصيام أوغيره، كما استدلوا بحديث عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال: "رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أحصي وأعد"، هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي في سننهما وغيرهم من أهل العلم.
القول الثاني: وإليه ذهب الإمام الشافعي، وهو رواية في مذهب الإمام أحمد قالوا يجوز الاستياك للصائم، كما أنه يشرع للمفطر، لكن يجوز للصائم الاستياك قبل الزوال، أي: قبل زوال الشمس، أي قبل صلاة الظهر ولايجوز له الاستياك بعد الزوال، ما الدليل على هذه المسألة وهذا التحديد؟
قالوا ماورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" فمادام خلوف فم الصائم بهذه المثابة من طيب الرائحة عند الله عز وجل، ونحن نعرف أن خلوف فم الصائم إنما يبدأ يظهر ويبين عند انتصاف النهار وعند خلو معدة الصائم من الطعام، إذن فلا ينبغي للمسلم أن يذهب هذا الخلوف الذي هو أطيب عند الله من ريح المِسك، بل يبقيه ويكون هذا الإبقاء بعدم السواك، لأن السواك يزيل رائحة الفم، وهذا أمر غير مستحسن للصائم، فيجوز الاستياك قبل الزوال ولايجوز بعده.
والراجح: لا شك أن الراجح إن شاء الله عز وجل هو ما عليه قول جمهور العلماء من جواز استياك الصائم قبل الزوال وبعده.
وأما حديث "لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" نقول بأن السواك لايُذهب الخلوف، لأن خلوف الرائحة ليس صادر من الأسنان فقط، وإنما هو صادر من الجوف، وذلك لخلو المعدة من الطعام؛ فالاستياك لا يزيل ولا يُذهب الخلوف مطلقاً، فلهذا يُشرع السِواك قبل الزوال وبعده في نهار الصوم.
الحكم الرابع: في هذا الحديث تقييد لمشروعية السواك بقوله عليه الصلاة والسلام: "مع كل وضوء" أو "عند كل وضوء"، فأفادنا هذا الحديث مشروعية السِواك عند الوضوء، ولأجل ورود هذه الرواية قال بعض أهل العلم: إنما يُشرع السِواك عند الوضوء، ولا يُشرع عند الصلاة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم: "عند كل صلاة"، في الرواية الأولى هي مطلقة "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، وهذه الرواية "عند كل وضوء" مقيدة لها فيكون المراد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عند كل صلاة" أي عند كل وضوء، فحينئذٍ يُشرع السِواك عندَ الوضوء، ولا يُشرع عند الصلاة.
والصحيح ما عليه جماهير العلماء، أنه يسن السواك في الحالتين معا، أي عند الوضوء وعند الصلاة، وذلك لأجل المبالغة في تنظيف الأسنان، لكي يقف المرء أمام ربه عز وجل طاهراً ونظيفاً.
قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: (يُلاحظ المعنى الذي شُرع من أجله السواك، فإن كان قد مضى وقت طويل يتغير فيه الفم بأحد المغيرات التي ذكرت، وهي أكل ما له رائحة كريهة، أو طول السكوت، أو كثرة الكلام، أو ترك الأكل والشرب ونحو ذلك، فإذا وجدت هذه الأمور شُرع للفرد المسلم السواك، وإن لم يتوضأ، وإلا فلا)، ومراده واضح، وهو أن السواك مشروع وفي كل وقت وفي كل حين، ولكن تتأكد مشروعيته وسنيته في الأوقات التي نص عليها في السنة المطهرة، أو اقتضت ضرورة رائحة الفم وجود السواك بسبب ما ذُكر، أمّا إذا لم يكن هذا ولا ذاك فحينئذٍ لايُعتبر ويُعد السِواك مشروعاً ومسنوناً.
الحكم الخامس: يطلق السِواك شرعاً: على العود، أيّ عود يمكن أن يستاك به، ويكون منظفاً للأسنان والفم بشكل مريح، فإنه يطلق عليه سواك، وخاصة عود الأراك؛ لما عرف فيه من طيب رائحته، وما فيه من مواد تساعد على نظافة الأسنان وتقوي اللثة، وأيضاً يؤكد عود الأراك، وأنه المقصود الأساس بالسواك ماثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يشوص فاه بالسواك، وأن هذا السواك الذي يستخدمه الرسول عليه الصلاة والسلام وهو من شجر الأراك وهو شجر معروف ومنتشر في الجزيرة العربية وغيرها.
ويحصل أجره إن شاء الله عز وجل، يعني أن السِواك، ليس مقصورا على عود الأراك، فحسب بل إنه يحصل أجر السواك إن شاء الله عز وجل مع وجود النية، أي نية تطهير الأسنان للوقوف أمام الرب عز وجل لكل مايزيل وينظف الأسنان، كالفرشاة والمعجون، والخرقة الخشنة، والأصبع ونحو ذلك من كل ما ينظف الأسنان ويزيل القذارة عنها.
قال الشارح: (والأحسن أن يكونَ بعود أراكٍ متوسطا، لا شديد اليبسِ فيجرح اللثة، ولا شديد الرطوبة، فلا يزيل مايراد إزالتهُ).

الحديث الثاني
عن حُمران أن عثمان رضي الله عنه دعا بوضوءٍ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تمضمض، واستنشق، واستنثر، ثم غسل وجههُ ثلاث مرات، ثم غسل يدهُ اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليُسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم الُيسرى مثل ذلك، ثم قال رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا" قال عنه الحافظ ابن حجر، " متفق عليه "
********************************************
تخريج الحديث:
هذا الحديث علق عليه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله: "متفق عليه"، فهو في الذِروة من الصحة.
هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه في عدة أبواب: منها باب الوضوء وباب المضمضة في الوضوء وغيرهما، فالإمام البخاري يقطّع الأحاديث ويوزعها على الأبواب والمواضيع التي يذكُرها، كما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة بابُ صِفة الوضوء وكماله، كما أخرجه من أصحاب السنن الأربعة أبو داود والنسائي في سُننهِما في كتاب الطهارة، كما أخرجه أيضاً الإمام أحمد في مسنده في مسند عثمان رضي الله عنه، كما أخرجه الأئمة الدارمي والدارقطني والبيهقي في سننهم، وهذا الحديث حديث مشهور في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ويمتاز لاستكماله لصفة الوضوء، واشتماله على السُنن الواردة فيه، ويشابه في هذا حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الطويل في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، الذي أخرجه الأئمة أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وهو حديث صحيح.
ترجمة الراوي: وذكر في هذا النص الذي رواه الحافظ، راويان: عثمان بن عفان، مولاه حُمران.
ترجمة الراوي الأول: عثمان بن عفان
اسمه: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، أمير المؤمنين، وثالث الخلفاء الراشدين، أبو عبد الله ذو النورين وصاحب الهجرتين، أسلم رضي الله عنه قديما، وزوّجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه، رقية وماتت عنه في أيام غزوة بدر، ولهذا لم يشهد رضي الله عنه هذه الغزوة، وقد استأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لتمريضها فأذن له، ثم بعد ذلك بعد وفاتها رضوان الله عليه، تزوج أختها أم كلثوم، فلذلك كان يلقب بذي النورين.
مناقبه و فضائله رضوان الله عليه كثيرة منها ما يلي:
فقد جهَّز جيش العُسرة، وبايع عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان تحت الشجرة، واشترى بئر رومة ووقفها على المسلمين، هذه أهم فضائله ومناقبه رضوان الله عليه، كما أنه بويع بالخلافة بعد استشهاد الصحابي وخليفة المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 24 هـ وقد شهد عهده فتوحات كثيرة وتوسعا في بلاد الإسلام، واستُشهِد رضوان الله عليه سنة 35هـ، وكان عمره عند استشهاده 83 سنة، وله من الأحاديث 146 حديثاً رضي الله عنه وأرضاه.

العرّاب
08-04-10, 04:21 AM
الحلقة الثلاثون

ترجمة الراوي الثاني: حُمْران بن أبان هكذا، حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه، كان هذا الرجل من بني النمر بن قاسط من القبائل العربية المعروفة، سباه المسلمون في موقعة عين التمر، وهي من أوائل الغزوات والمواقع التي ابتدأها المسلمون أثناء فُتوحاتهم، فاشتراه عثمان رضي الله عنه ثم أعتقه، فكان مولى له، بعد أن أعتقه عثمان رضوان الله تعالى عليه لم يذهب في حال سبيله، و إنما بقي مع عثمان بن عفان رضي الله عنه، فكان ملازما له وكان حاجبا له أثناء خلافته، قال عنه ابن معين: هو من تابعي أهل المدينة ومحدثيهم، وقال عنه ابن عبد البر: كان أحد العلماء الأجلاء، أهل الوجاهة والرأي والشرف، وحكى الليث بن سعد: أن عثمان رضي الله عنه أسرّ إليه أي: إلى حمران سِّراً، فأخبر به عبد الرحمن بن عوف، فغضب عليه عثمان رضي الله عنه، ونفاه مدة بسبب إفشائه لسر مولاه عثمان رضوان الله تعالى عليه، مات رحمه الله بعد سنة سبعين من الهجرة، وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في السنة التي توفي فيها، فقيل سنة (71) وقيل (75) وقيل (76) من الهجرة.
أهم المفردات الواردة في هذا الحديث النبوي الشريف:
(دعا بوضوء): المعنى طلب وضوءًا، أي أن عثمان رضي الله عنه لأجل أن يُعلّم من عنده من التابعين وغيرهم صِفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فقد طلب وضوءًا، والوَضوء: بفتح الواو، هنا لأن المراد به الماء الذي يتوضأ به، وكما عرفنا بأن الوَضوء مثل الطَهور: بفتح الواو، يكون للماء الذي يتوضأ به، وأما بضمها (الوُضوء): فالمراد به عملية وفعل الوضوء.
وقد ورد في رواية للبخاري"دعا بإناء"، والمراد إناء فيه ماء، وقد وردت رواية تبين سبب هذا العمل من عثمان رضي الله عنه، فقد يقول قائل لماذا دعا بوضوء؟ ولماذا طلب الإناء الذي فيه ماء؟
وردت رواية تبين سبب هذا الطلب، فقد روى أبو داود في سننه عن ابن أبي مُليكةَ قال: "رأيت عثمان بن عفان يُسأل عن الوضوء، فدعا بماء فأُتي بميضأة فأصغى على يده اليمنى" فذكر الحديث قريباً من هذا، هذا يدلنا دلالة واضحة على أن الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه قد سئُل عن صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، فحينئذ أراد أن يبين صفة الوضوء بصيغة عملية وبصفة فعلية.
(تمضمض): المضمضة: هي أن يجعل الماء في فيه ثم يديره داخل الفم ثم يمجه، أي: (يظهره خارجا) هذه صورة أتم المضمضة من الناحية اللغوية ومن الناحية الاصطلاحية والشرعية.
قال النووي رحمه الله تعالى: وأقل المضمضة أن يجعل الماء في فيه، ولا يشترط إدارته على المشهور عند الجمهور، بل لأجل أن يُعد متمضمضا يجعل الماء في فيه فقط.
وعند جماعة من أصحاب الإمام الشافعي وغيرهم: أن إدارة الماء في الفم شرط لصحة المضمضة، قال بعض أهل العلم في تفصيل هذه المسألة: وبالرجوع إلى كلام أهل اللغة في القاموس وغيره من كُتب اللغة: أن المضمضة هي تحريك الماء في الفم، فجعل من مُسماها (أي المضمضة) التحريك، ولم يجعل منه المج، فُعلم من هذا أن المضمضة هي وضع الماء في الفم وتحريكه، ومن تمام المضمضة لغة وشرعا مجه من الفم، وليس شرطاً لصحة المضمضة أيّ المج.
(واستنشق): في لغة، النشق: هو سحب الهواء إلى الصدر عن طريق الأنف، فأنت إذا سحبت الهواء من طريق أنفِك، فإنك تكون قد استنشقت الهواء.
قال ابن الأثير في كتابه النهاية عند تعريفه وشرحه لفظ يستنشق قال: (أي يُبلغ الماءَ إلى خياشيمه، وهو من استنشاق الريح إذا شممتها مع قوة).
وقال الصنعاني رحمه الله تعالى: (الاستنشاق إيصال الماء إلى داخل الأنف، وجذبُه بالنفس إلى أقصاه).
(واستنثر): قال النووي رحمه الله تعالى فيما نقله الشوكاني عنه في نيل الأوطار قال: قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدِثون الاستنثار هو: إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق.
وقال ابن الأعرابي وابن قُتيبة: الاستنثار هو الاستنشاق، لأن الاستنثار مأخوذ من النثرة، وهي طرف الأنف إذن يكون عند بعض أهل اللغة الاستنثار والاستنشاق بمعنى واحد.
لكن عند المحققين من جمهور علماء أهل اللغة والفقهاء والمحدِثون: أن هناك فرق بينهما فالاستنشاق إدخال الماء في الأنف وجذبُه داخله، والاستنثار هو من النثر وهو إخراج الماء من الأنف.
قال في القاموس: استنثر استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنَفس الأنف.
وقال: هو مثل انتثر واستنثر عنده بمعنى واحد.
تنبيه فيما يتعلق بقوله: (تمضمض واستنشق واستنثر) نلاحظ معنى في هذه الألفاظ الثلاثة، أن الراوي لصفة الوضوء في حديث عثمان و أيضا في صفة الوضوء في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ذكر المضمضة ولم يذكر المج، وذكر الاستنشاق وأورد بعده الاستنثار، فتساءل بعض أهل العلم وشُرّاح حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم فقالوا لماذا ذُكر مع الاستنشاق الاستنثار، ولم يُذكر مع المضمضة المج؟ مع أن من لازم الاستنشاق أن يستنثر، وإن كان ليس من لازم المضمضة أن يمُج، فهنا كان الأولى ذكر المج مع المضمضة، لأنه ليس من لازمها من الناحية الطبيعية فيُنص عليه من الناحية الشرعية بخلاف الاستنشاق والاستنثار.
وقد أورد العلماء رحمهم الله تعالى لهذا الأمر جوابان:
الجواب الأول: قالوا إن المضمضة في تعريفها يدخل فيها المج، وأتم صورها تشتمل على ثلاثة أركان: 1: إدخال الماء في الفم، 2: إدارته فيه 3: مجه.
إذن فالمج داخل في المضمضة، فتمام المضمضة إدخالٌ فإدارةٌ فمج ولهذا لم يذكر المج هنا، بخلاف الاستنشاق فلا يدخل في معناه اللغوي ولا معناه الشرعي أيضا الاستنثار، إذ أن الاستنشاق هو إدخال الماء في خياشيم الأنف هذا الاستنشاق، أما الاستنثار فهو أمٌر زائد على الاستنشاق إذ أنه يعني: إخراج هذا الماء من داخل الأنف.
الجواب الثاني: قالوا إن ماء المضمضةِ مقبول وسائغ بلعه عُرفاً وشرعا، فلهذا لم يُنص على مجه، لأنه ليس فيه أوساخ وليس فيه قاذورات مثل غيره، لهذا لم يُنص على المج، بمعنى أنك إذا بلعته فلا بأس في ذلك، بخلاف ماء الاستنشاق، فهو ماء قذر ووسخ، ولهذا نُص على ضرورة استنثاره والله أعلم.
قوله (إلى المرفق): المرفق فيه ثلاث لغات، ويطلق بثلاثة ألفاظ:
1: مِرْفَقَ، بكسر فسكون ففتح.
2: مَرْفِقِ ، بفتح فسكون فكسر.
3: مَرْفَقَ، بفتح فسكون ففتح، وبكل من الألفاظ الثلاثة سُمعت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ووردت في اللغة العربية.
قال الجوهري وهو أحد علماء اللغة المشهورين قال: المِرفَق: هو موصل الذراع إلى العضد، وقال رحمه الله تعالى: والمِرفق من الأمر هو ما ارتفَقْت به وانتفعت به، ولهذا يقال المرافق العامة، لأنه ينتفع بها الجميع، وقد ورد هذا المعنى أي ماينتفع به في القرآن الكريم يقول الله عز وجل: (ويهيئ لكم من أمركم مرفقا) فمعنى المرفق هنا أي: شيئا تنتفعون به.
(إلى المرفق): الأصل في (إلى): أن تكون للانتهاء والغاية، تقول ذهبت إلى كذا أي: أن غايتك ومُنتهاك إليه، أي: إلى ما توصلت إليه وذهبت إليه، فيكون ما بعدها لا يدخل في حكم ما قبلها، كما يقولون "الغاية لا تدخل في حكم المُغيَّا" إذن الأصل في (إلى) أن تكون لانتهاء الغاية لأي شيء تريده، وقد تأتي "إلى" بمعنى مع، فحينئذ يكون ما بعدها داخل في حُكم ما قبلها.
إذن (إلى) في اللغة العربية تأتي لمعنيين:
المعنى الأول: تكون فيه غير داخلة في حكم المُغيَّا، فتكون بمعنى عند.
المعنى الثاني: تكون فيه الغاية داخلة في حكم المُغيَّا، فتكون بمعنى مع.
وقد بينت بعض الروايات أن (إلى) هنا بمعنى (مع).
(ثم مسح برأسهِ): هذا التعبير "مسح برأسه" موافق للآية الكريمة في القرآن الكريم في قول الله عز وجل: (وامسحوا برؤوسكم)، والفعل مسح يتعدى بنفسه، كما أنه أيضا يتعدى بحرف الجر الباء.
قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره للآية: (إن الباء هنا للتعدية، فيجوز حذفها وإثباتها)، طبعا في غير القرآن الكريم فتقول: مسح برأسه بإثبات الباء، وتقول: مسح رأسه بحذفها، هذا هو القول الأول، وهو قول كثيرين من علماء اللغة، أنها الباء تأتي مع مسح وتتعدى مسحَ بنفسها.
بعض أهل العلم قالوا: إن دخول الباء هنا، هي لأجل معنى تفيده، وهو أن الغسل لغة: يقتضي مغسولا به، والمسح لغُةً: لا يقتضي ممسوحا به، فلو قال: (امسحوا رؤوسكم)، لأجزأ المسح باليد بغير ماء، وكأنه قال: (وامسحوا برؤوسكم الماء)، قالوا: وهو من باب القلب، والأصل فيه (فامسحوا بالماءِ رؤوسكم).




تم بعون الله وبحمده

العرّاب
08-04-10, 04:23 AM
مفردات المقرر:

أولاً: المصطلح:
1- تقسيم الحديث باعتبار طرقه إلى:
متواتر وآحاد، وتقسيم الآحاد إلى غريب وعزيز ومشهور ومستفيض وتعريف كل نوع وذكر مثال له.
2- تقسيم الآحاد إجمالاً إلى صحيح وحسن وضعيف وموضوع.
3- تعريف الحديث الصحيح وشرح التعريف.
4- بيان معنى قول العلماء:
الحديث صحيح، أو صحيح الإسناد.
5- جواز التصحيح والتحسين في كل عصر لمن تأهل لذلك.
6- أول من ضعف في الصحيح المجرد.
7- أصح كتب الحديث، المفاضلة بين الصحيحين.
8- إفادة ما روياه أو أحدهما العلم، وبيان الآراء في ذلك.
9- عدم استيعاب الصحيحين لكل الأحاديث الصحيحة.
10- حكم المعلق فيهما، والمنتقد عليهما أو على أحدهما، والجواب عنه.
11- مصادر الأحاديث الصحيحة غير الصحيحين، كالسنن الأربعة، وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة، والمستدركات، والمستخرجات.
12- أقسام الحديث الصحيح.
13- الخبر المحتف بالقرائن وأنواعه وإفادته العلم.
14- أصح الأسانيد وفائدتها.
15- الصحيح لذاته، والصحيح لغيره.

ثانياًً: الحديث:
الأحاديث المختارة من كتاب (من بلوغ المرام) المجلد الأول طبعة الجامعة.