الحمد لله علاَّم الغيوب،غفَّار الذنوب،مصلح ما فسد من القلوب،أحمده جل في علاه وأشكره فكم غفر من الذنوب وكم ستر من العيوب وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له وأشهد أن نبينا وحبينا محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:فيامعاشر المؤمنين رمضان فرصة نادرة لإحياء القلب،وإيقاظه من رقدته،وإشعال فتيل التقوى والخوف من الله فيه،هذا المعنى الذي هدف إليه الصيام تجده في قول الله عز وجل:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة: 183)؛وعلى قدر التقوى في القلب يكون قرب العبد أو بعده من الله عز وجل قال سبحانه:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات:13). شهر رمضان ما جاء إلا ليقرب الناس من ربهم ويزيد من صلتهم به فتتجافى قلوبهم عن الدنيا؛ولقد شرع الإسلام في هذا الشهر من الوسائل ما يعين المسلم على الوصول لذاك الهدف،من أبرزها:أولاً: الصيام: فهو وسيلة عظمى لامتلاك النفس والسيطرة عليها،ولم لا؟.وهي العائق الأكبر في سير العبد إلى الله؛فمن شأنها دوماً طلب الحظوظ والفرار من الحقوق،ومن أفضل طرق ترويضها الصيام فبه تضعف مادة شهوتها فمن أراد الاستفادة من الصيام فعليه ألا يقضي أغلب النهار في النوم،وأن يقلل من الطعام والشراب عند الإفطار،وليكنشعاره حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :((..بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ..))(الترمذي ، كتب الزهد ، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل ، حديث (2302) قال عنه الترمذي)؛ومع الصيام عن الطعام والشراب، علينا الإقلال من الكلام والضحك قدر المستطاع،ولنرفع شعار:((..أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ..وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ))(الترمذي،الزهد،ح(2330)[قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ]).ثانياً التعلق بالمساجد : فالمسجد له دور كبير في تنوير القلوب..ففي ختام قوله تعالى:{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (النور:35)دلنا العظيم على مكان هذا النور بقوله:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ()رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} (النور:36-37)؛ففي المسجد تربط القلوب على طاعة الله، وتحبس النفس عن معصيته يقول صلى الله عليه وسلم :((أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ))(مسلم،الطهارة،ح(369)).معاشر المؤمنين إن قلب المؤمن كثير التقلب من حالة إلى حالة نتيجة التنازع المستمر بين داعي الإيمان، وداعي الهوى،وهو بحاجة إلى ربطه وتثبيته على حالة الإيمان..وهنا يأتي دور المسجد،فلنبكر بالذهاب إلى المسجد ولا نترك أماكننا بعد الصلاة إلا لضرورة كي ننعم بصلاة الملائكة علينا قال صلى الله عليه وسلم :((الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ تَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ))(البخاري،الصلاة،ح(426)).ثالثاً: القرآن الكريم : رمضان شهر القرآن،وقد دأب الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام على مدارسته فيه فهو وسيلة عظيمة لشفاء القلوب وهدايتها وتنويرها قال تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}(يونس:57).وعلى قدر صلة المسلم بالقرآن تكون صلته بالله.هذه الوسيلة العظيمة لن تحقق مقصودها إلا إذا تعاملنا معها بالشكل الذي يريده الله عز وجل؛لقد نُزِّل القرآن لنتدبره ونستخرج منه ما ينفعنا قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ}(ص:29).قال الحسن: "كيف يرق قلبك وإنما همتك آخر السورة؟"،ويؤكد على هذا المعنى ابن القيم فيقول رحمه الله:"لاشيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر،فإنه جامع لجميع منازل السائرين،وأحوال العالمين،ومقامات العارفين،فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها فقراءة آية بتفكر خير من ختمه بغير تدبر وتفهم".فليكن رمضان البداية الحقيقية لدخولنا إلى عالمنا القرآني الحقيقي، ورؤية عجائبه وكنوزه..وليس المطلوب أن يتكلف الواحد منا الخواطر والأفكار بل علينا في البداية العمل على حضور القلب عند القراءة،وأن نعقل ما تردده ألسنتنا،فإذا ما سرح الذهن أثناء التلاوة قمنا بإعادة الآيات التي لم نعقلها،ومع المداومة على التلاوة وبحضور القلب تبدأ الخواطر والمعاني في الورود على الذهن دون تكلف.رابعاً: قيام الليل: وهو من الوسائل المهمة في إحياء القلب،فالتعرض لنفحات الله في الليل،واقتسام الغنيمة مع المجتهدين من أعظم وسائل غرس الإيمان في القلب؛لأن الإنسان إذا خلا بربه واتصل قلبه به في جنح الليل طهر ذلك القلب واستضاء بنور من ربه؛إن هذه الوسيلة العظيمة التي تجمع بين تدبر القرآن وما فيه من كنوز وبين الركوع والسجود وما فيهما من معاني الذل والخضوع والانكسار لله عز وجل لمن أهم وسائل التقرب إلى الله عز وجل،فلا ينبغي أن تفوتنا ليلة دون قيام مهما كانت الظروف.والأفضل بجانب أدائنا لصلاة التراويح أن نستيقظ قبل طلوع الفجر بوقت كافٍ للتهجد،والاستغفار،لنتذوق طعم الحياة الحقيقية باستنشاق نسيم الأسحار ونحن نناجي الرحمن،قال بعض الصالحين: "ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل الإيمان في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة.."فجهز مطالبك،وحدد أهدافك،وكن خفيف النوم تنتظر دقات الساعات للخلوة بالحبيب".خامساً : الاستفادة من الأوقات الفاضلة : يقول ابن رجب:"جعل الله سبحانه وتعالى لبعض الشهور فضلاً على بعض كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض وجعل ليلة القدر خيراً من ألف شهر..وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى وظيفة من وظائف طاعاته يُتقرب بها إليه ولله فيها لطيفة من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات،فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها".فعلى مستوى اليوم هناك ثلاثة أوقات يسميها العلماء: "أوقات السير إلى الله بالطاعات"،وهي:آخر الليل،وأول النهار وآخره قال صلى الله عليه وسلم :((..وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنْ الدُّلْجَةِ))(البخاري،الإيمان،ح(38)).وقد ورد من النصوص الكثير في أذكار الصباح والمساء، وفي فضل من ذكر الله حين يصبح وحين يمسي، وكان السلف لآخر النهار أشد تعظيماً من أوله،أما بالنسبة للأسبوع فليوم الجمعة شرف عظيم،وفيه ساعة يُجاب فيها الدعاء فلنحرص على التعرض لها،يقول النووي: "ويستحب الإكثار من الدعاء في جميع يوم الجمعة،من طلوع الفجر إلى غروب الشمس رجاء مصادفة ساعة الإجابة".فعلينا بالاجتهاد في هذا اليوم المبارك،ولنضع له برنامجاً خاصاً،ولنبكر فيه بالذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة على أحسن هيئة.{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(الحج:77).